صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 24 من 30

الموضوع: ابحاث تاريخية

  1. #1
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14

    ابحاث تاريخية

    الدولة العثمانية

    تمهيد:
    نشأت الدولة العثمانية إمارة صغيرة عام (699هـ/1299م)، وتوسعت مع مرور الأيام توسعاً مضطرداً، شمل ثلاث قارات، وأصبحت من الدول القوية، صاحبة النفوذ الكبير والكلمة المسموعة في العالم. وهي أطول الدول الإسلامية حكماً في التاريخ. إذ استمر حكمها إلى عام (1342هـ1924/م)، عندما ألغيت الخلافة الإسلامية، وتقوَّضت الدولة العثمانية، وقامت على أنقاضها الجمهورية التركية. ومن ثم فإن حكم الدولة العثمانية استمر سبعة قرون، تعاقب على الحكم فيها ستة وثلاثون حاكماً من أسرة آل عثمان، بعضهم بلقب أمير، وبعضهم بلقب خليفة، ومعظمهم بلقب سلطان.

    عثمان بن أرطغرل:
    ولد الأمير عثمان بن أرطغرل عام(656هـ1258/م) في بلدة سوغود Sogud أو عثمانجق .Osmancik وهو رأس أسرة آل عثمان ومؤسس الدولة العثمانية.
    خلف والده في قيادة عشيرته. ولبث مصاحباً للسلطان السلجوقي علاء الدين كيكوبات. وقد ساعده في فتح مدن منيعة وقلاع حصينة. فلما قُتل السلطان السلجوقي وسقطت الدولة السلجوقية على أيدي التتار، هرع الناس يلتفون حول المير عثمان غازي، وبايعوه حاكماً عليهم، وذلك (عام 699هـ/1299م)، فاتخذ مدينة قره حصار مركزاً لدولته. ثم حصَّن مدينة يني شهير وجعلها عاصمة إمارته. حكم بين الناس بالقسط والعدل، وأنصف المظلوم، وأعطي كل ذي حق حقه. حتى ذاع صيته، وعلا شأنها، ولا سيما بعدما تزوج بنت الشيخ أده بالي Edebali .
    أُعجب به السلطان السلجوقي مسعود، لِما حقّقه من انتصارات متتالية على البيزنطيين في الحروب التي وقعت بينهم. فخاطبه السلطان بعثمان شاه، وأرسل إليه علماً أبيض وتاج الملك. ولما واصل جهاده في فتح القلاع والحصون البيزنطية الواحدة تلو الأخرى، واشتدت وطأته على البيزنطيين فعزموا على قتله، فدبروا له مكيدة، غير أن القائد البيزنطي كوسه ميخال "Kose Mihal"، أسر إليه بالأخبار، فاحتاط للأمر، واعد العدة الكافية، وبادر القوات البيزنطية بهجوم مباغت أحبط مكيدتهم، وحقق النصر عليهم.وبعد أن أصبحت الدولة العثمانية مستقلة استقلالاً تاماً، توسعت جبهات القتال مع البيزنطيين. وكان الهدف الأسمى، الذي يسعى الأمير عثمان لتحقيقه، هو فتح مدينة بورصا واتخاذها عاصمة للدولة العثمانية. وظل هذا هدفاً يطمح إليه الأمير عثمان حتى آخر حياته؛ فقد أمر، وهو على فراش الموت، ولده أورخان بفرض الحصار عليها، والاستماتة في فتحها. وقد نجح أورخان في ذلك، وطارت أنباء الفتح إلى الأمير عثمان وهو يجود بأنفاسه الأخيرة. ونُقل جثمانه إلى مدينة بورصا ودفن بها. في عام( 726هـ 1324/م)، بعد أن عاش سبعين عاماً، قضى منها 27 عاماً على عرش السلطنة.
    كان ـ رحمه الله ـ شديد البأس، سديد الرأي، عالي الهمة، كريم الأخلاق، أبيّ النفس. له من الأولاد سبعة، هم: أورخان بك، وعلاء الدين بك، وجوبان بك، وحامد بك، وفاطمة خاتون، وبازارلي بك، وملك بك.





    الدولة العثمانية: نشأتها وتطورها وانحطاطها


    نشأة الدولة العثمانية
    تعد الدولة العثمانية أطول الدول الإسلامية عهداً؛ فقد عاشت 661 سنة، وأطولها فترة في مراحل نشأتها وتكونها ثم انحدارها. وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمكنت من فتح القسطنطينية، والهيمنة على أجزاء شاسعة من أوروبا وآسيا وأفريقيا، في وقت واحد. وظلت لعدة قرون قائدة العالم الإسلامي، والممثلة له. توافقت نشأتها مع عصر تطور النهضة في أوروبا، واتجاه مؤسساتها الناشئة إلى حركة الاستعمار في زمن الانتقال من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة. وأخيراً، فقد ظلت دوماً تقوم على ثلاثة بحار هامة، هي البحر المتوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر. وقد توالى على عرش السلطة فيها ستة وثلاثون سلطاناً، من سلالة واحدة، تكرر بعضهم مرتين وبعضهم ثلاث مرات.

    تأسيس الدولة العثمانية
    لم يبرز للعثمانيين وجود تاريخي قبل القرن السابع الهجري/12م؛ ولذلك نسجت حول أصلهم و أوائلهم الكثير من الأساطير حسب الأهواء والظنون.
    تسبب الغزو المغولي في هجرة كثير من القبائل التركية من وسط آسيا إلى الأناضول، وتعاظمت هجراتهم بعد انتصار السلاجقة على البيزنطيين في معركة ملاذكرت) عام1071م).
    وتُنسب الدولة العثمانية إلى مؤسسها عثمان بن أرطغرل، الذي ولد عام 656) هـ/1258م)، وتوفي عام 726)هـ/ 1326م). و هو إلى عشيرة قايي، من قبيلة الغزالأغوز التركية. هاجر جده سليمان شاه، أمير عشيرة قايي، مع عشيرته من موطنه الأصلي، في آسيا الوسطى، ليستقر في الأناضول، في كنف دولة سلاجقة الروم، حوالي عام (618 هـ/1123م)، وظل يتنقل بهم من منطقة أخلاط، ومنها إلى أرضروم، ثم إلى أماسية في الأناضول. ثم انحدر بهم إلي حوض الفرات، حتى شرقي حلب. ولكنه غرق أثناء عبور النهر، ودُفن في قلعة جعبر، داخل الحدود السورية، ولا يزال قبره هناك إلى اليوم.
    تولى زعامة العشيرة بعده ابنه أرطغرلبن سبيمان؛ فتحرك بها، شمالاً مرة أخرى إلى الأناضول. وشارك السلطان السلجوقي، علاء الدين كيقباد الأول، في حروبه ضد المغول وأبلى هو رجاله بلاءً حسناً؛ فأقطعه السلطان علاء الدين السلجوقي منطقة قراجة طاغ القريبة من أنقرة عام(628هـ1133/م.(ويقال أنه أقطعه كذلك بلدتي سوغود ودومانيج، على الحدود مع البيزنطيين، في غربي الأناضول. ومنحه لقب "حارس الحدود".
    توفي أرطغرل في بلدة سوغود، عام(680هـ/1281م)، فتولى بعده ولده عثمان، سيداً على عشيرته وحاكماً للمقاطعة. وأخذ يشن الغارات والحملات الهجومية على البيزنطيين، ويكسب منهم قلاعاً وقرى ويضمها، لحساب الدولة السلجوقية. ومنحه السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد الثالث جهات إسكي شهر وإينونو، عام (1289م).
    حاصر عثمان مدينة بورصة، المعروفة في غرب الأناضول، في عام(1314م)، ولكنه لم يتمكن من فتحها.
    وتوسعت منطقة نفوذ عثمان أو إمارته، فشملت مناطق سوغود، ودومانيج، وإينه كول، ويني شهر، وإن حصار، وقويون حصار، وكوبري حصار، ويوند حصار. وجعل في عام(1300م)، يني شهر مركزاً لتلك الإمارة.
    وفد على عثمان بن أرطغرل كثير من علماء الدولة السلجوقية، التي كانت في طريقها إلى الاضمحلال، وأقبل عليه أمراؤها وأعيانها، فدخلوا تحت حمايته.
    يُرجع كثيرٌ من الباحثين نشأة الدولة العثمانية إلى عام (699هـ1299/م)، عندما استقل الأمير عثمان بإمارته الصغيرة عن الدولة السلجوقية.
    بينما يرجعها البعض الآخر إلى عام( 708هـ/1308م)، عندما توفي آخر سلاطين سلاجقة الروم السلطان غياث الدين مسعود الثالث، حيث كانت الإمارة العثمانية تابعة للدولة السلجوقية قبل ذلك.
    ومع أنّ عثمان بن أرطغرل لم يلقّب بالسلطان أو الخان إلاّ بعد وفاته، إلا أنه يعد المؤسس الأول للأسرة. وقد حكم 45 عاماً، واستطاع توسيع مملكته من 4800 كم2، عند توليه الإمارة بعد والده أرطغرل، عام(681هـ/1281م)، إلى 16 ألف كم2، حين سلمها لولده أورخان، عام (726هـ/1326م).
    اتخذ أورخان بن عثمان الذي ولد عام 1281م، مدينة بورصة، الواقعة في أقصى غرب الأناضول، عاصمة لملكه، وقاعدة لتحركاته، بعد أن تيسر له فتحها قبيل وفاة والده، عام(726هـ/1326م). ثم فتح إزمير عام(1327م)، وطاوشانلي في عام(1330م .(واستطاع بذلك أن يفرض على الإمارات السلجوقية المجاورة، الاعتراف الفعلي بحكمه، وبأنه وريث العرش السلجوقي.
    ومما زاد من شهرته، تمكنه من هزيمة الامبراطور البيزنطي، الذي حاول استعادة مدينة إزنيق من العثمانيين، عام( 732هـ/1331م). وقد بدأ السلطان أورخان، بعد ذلك، باتباع سياسة متسمة بالحكمة، في التعامل مع البيزنطيين، وتحرص على عدم البدء بالاعتداء، مع محاولة الوصول إلى البحار المفتوحة والمضايق.
    وقد توالت الفتوحات، طيلة حكم السلطان أورخان، الذي يعد أول أمير عثماني تسمى بلقب السلطان. وفي عام 736)هـ/1335م)، كوّن جيشاً منظماً، ومدرباً أحسن تدريب. وانضمت بعض الإمارات السلجوقية إلى الدولة العثمانية، التي وصلت حدودها إلى البحر، بعد أن استولت على أسكودار، وهي الضفة الآسيوية من مدينة إستانبول. وفي الوقت نفسه، توسعت الدولة في الجانب الشرقي من البلاد، ففتحت مدينة أنقرة، عام (756هـ/1354م).
    سنّت الدولة، في فترة حكم السلطان أورخان، وبإشارة من الوزير قره خليل جاندارلي، قانوناً يقضي بتشكيل جيش سمي "الإنكشارية"، وبمقتضى هذا القانون يؤخذ بعض أولاد النصارى، ويُعنى بتربيتهم، وتهذيبهم تهذيباً إسلامياً، حتى إذا بلغوا سن التجنيد، أُرسلوا إلى الثكنات العسكرية في العاصمة؛ ليتولوا الدفاع عن أراضي الدولة دفاعاً مستميتاً.
    كما وضعت تنظيمات إدارية ومالية، في عهد السلطان أورخان، أصبحت قاعدة، تركن إليها الدولة في السنوات التالية، مثل النظام الخاص بإقطاع الأراضي الأميرية، وكيفية تقسيمها على المشاركين في الحرب، وتشكيل الوزارة، وغيرها من الأنظمة، التي استقرت قواعد الدولة عليها.


    ضم البلاد العربية
    استفحل أمر الدولة الصفوية، بعد عهد السلطان بايزيد الثاني، الذي استخدم اللين مع الشاه إسماعيل الصفوي، على الرغم من نشاط الخير في نشر المذهب الشيعي بين القبائل التركية البدوية، وقتل الكثير من أهل السنة، بعد استيلائه على بغداد. وكان ذلك يحمل في طياته خطراً كبيراً على الدولة العثمانية، التي تزعمت أهل السنة في ذلك الوقت. إذ أن الشاه إسماعيل الصفوي، الذي جعل من التشيع سياسة لدولته ومذهباً لها، وجد له أعواناً كثيرين في الأناضول. وكان ذلك كفيلاً بأن يفتت وحدة الدولة العثمانية في الأناضول، على وجه الخصوص. فأجَّل السلطان سليم الأول فتوحاته، في أوروبا، ردحاً من الزمن، وتوجه بكل ما أوتي من قوة نحو الشرق، لوقف ذلك المد الشيعي، وتأديب المماليك، في مصر والشام، المتحالفين مع الصفويين، والعاجزين عن حماية الأماكن المقدسة. وكانت معركة جالديران، عام (920هـ/ 1514م)، انتصاراً باهراً للعثمانيين وهزيمة نكراء للصفويين، توغل الجيش العثماني بعدها في إيران حتى وصل إلى تبريز. وقد ثبّت ذلك الانتصار أقدام العثمانيين في الأناضول، وحسنت من صورتهم أمام العالم الإسلامي. غير أن ذلك النصر لم يكن ليكتمل ما لم تتم إزالة التهديدات البرتغالية للبحر الأحمر والأماكن المقدسة، في وقت استغاث فيه أهالي المنطقة بالعثمانيين، إزاء عجز المماليك عن الدفاع عنها، إضافة إلى إيواء المماليك للثائرين على السلاطين العثمانيين، وتحالفهم مع الصفويين ضد العثمانيين.
    توجّه السلطان سليم الثاني إلى سوريا، ووقعت بينه وبين الغوري المملوكي معركة، بالقرب من حلب، عند مرج دابق، عام( 922هـ/1516م)، ومني الغوري بالهزيمة، وسقوط قتيلاً، ودخل السلطان سليم الأول مدينة دمشق، وضُمت الأراضي السورية إلى الدولة العثمانية. ثم توجه السلطان سليم إلى القاهرة، وانتصر في معركة الريدانية، بالقرب منها، في عام 923هـ (بدايات عام 1517م). وبذلك بدأ عهد جديد في تاريخ العثمانيين، اكتملت فيه سيطرتهم على العالم العربي، والتي استمرت أربعة قرون. وأعلن بذلك العثمانيون حمايتهم للأماكن المقدسة، وجعل البحر الأحمر بحيرة إسلامية.

    تأخَّر الدولة العثمانية وتدهورها
    يعزو كثير من الباحثين بداية انحدار الدولة العثمانية إلى (عام 1110هـ1699/م)، عندما اندحرت أمام الأعداء، واضطرت، لأول مرة، إلى توقيع معاهدة كارلوفجا، التي فرض شروطها عدوُّها المنتصر. وخرجت الدولة العثمانية بتلك الهزيمة من عزلتها، وتيقنت يقيناً جازماً من تخلف أجهزتها العسكرية. فبدأت توجُّهاً قوياً إلى الاستفادة من التقدم الأوروبي، فيما عُرف، في تاريخ الدولة العثمانية بحركات التجديد.
    أرجع بعض الباحثين مقدمات ضعف الدولة العثمانية إلى عهد السلطان سليمان القانوني، بسبب وقوعه تحت تأثير زوجته روكسلانا، التي تآمرت ضد الأمير مصطفى ابن سليمان، ليتولى ابنها سليم الثاني الخلافة بعد أبيه. وكان مصطفى قائداً عظيماً ومحبوباً لدى الضباط، مما أدى إلى حركة تزمر بين الإنكشارية ضد السلطان، فأخمدها السلطان سليمان. وبذلك قضى على الأمير مصطفى. وأعقب ذلك تخلي السلطان عن ممارسة سلطاته، وتسليم مقاليد الأمور إلى زوجته، مما أدى إلى بروز سطوة الحريم، والعجز عن مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، التي أدت إلى نشوب القلاقل الشعبية في الروملي والأناضول.


    عوامل الضعف في الدولة العثمانية
    أصيبت الدولة العثمانية بعدة عوامل ضعف أثرت على مسيرتها وتقدمها. وعلى الرغم من وجود عوامل خارجية ساهمت في ضعف الدولة حتى في عهد القوة والتوسع، إلاّ أنها لم تكن مؤثرة في الدولة بقدر المؤثرات الداخلية. يمكن إيجاز تلك العوامل الداخلية على النحو الآتي:
    أ: البعد عن منهج الإسلام الأصيل وجوهر الإيمان. الذي كان يميز الدولة العثمانية منذ قيامه، عندما كانت العاطفة الإسلامية جياشة وقوية. فلما تبعتها التربية الإسلامية، والتدريب السليم للنظام العسكري الجديد، كانت القوة وكان الفتح وكان التوسع. فلما ضعفت التربية الإسلامية زادت أعمال السلب، والنهب، والفسق، والفجور. واستمر الانحراف، وظهرت حركات العصيان والتمرد، وفقدت الدولة هيبتها.

    وقد تمثل ذلك في:
    1) الإهمال في العدالة والضبط وحسن السياسة، وسببه عدم تفويض إسناد الأمور إلى أهلها الكفاء.
    2) المسامحة في المشاورة والرأي والتدبير، وسببه العجب والكِبر في أهل الحكم، واستنكافهم عن مصاحبة العلماء والحكماء.
    3) التساهل في التدريب، والضبط والربط، وسوء استعمال آلات الحرب عند محاربة الأعداء، وسببه عدم خوف العسكر من الأمراء.
    4) ثم رأس جميع الأسباب، وغاية ما في الباب، وهو طمع الارتشاء ورغبة النساء.
    ب: الترف الذي أدى إلى الانغماس في حياة الفسق، بحيث أصبح السلاطين يقضون أوقاتهم في الملذات بين الحريم. وانعكس ذلك على ضعف السلاطين وعدم قدرتهم على تسيير أمور الدولة وقيادة الجيش، مما أثر بدوره على أوضاع الدولة.
    ج: سيطرة العقلية العسكرية، التي أدت إلى انتزاع الأمور بالسيف بدلاً من الدراسة، والتخطيط، والمناقشة.
    د: فساد الإدارة: حيث ترك السلاطين أمور الدولة لكبار موظفيهم، الذين انغمسوا في الفساد، فانتشرت الرشوة، والمحسوبية، والاختلاس، وبيع الوظائف، وقام الولاة في الولايات بحركات انفصالية عن كيان الدولة العثمانية.
    هـ: الفساد، الذي استشرى في صفوف الإنكشارية، التي كانت العمود الفقري للدولة في عهد القوة والتوسع.
    و: الامتيازات الأجنبية: التي مُنحت للأجانب في زمن قوة الدولة وازدهارها، ثم أصبحت حجر عثرة أمام الدولة العثمانية في التقدم والارتقاء، وأصبح الأجانب، بتلك الامتيازات، يتدخلون في شؤون الدولة الداخلية، ونجم عن ذلك خروج الرعايا عن أوامر الدولة. إضافة إلى ذلك، هناك الأسباب الخارجية، التي تمثلت في تكالب الدول الصليبية على الدولة العثمانية وتوحدها، في كثير من الأحيان، للقضاء عليها.
    ز: تأخر الدولة عن ركب الحضارة، بسبب عدم تمسكها بأسباب القوة، والتي تمثلت في تخلف أجهزتها العلمية والعسكرية على وجه الخصوص. في الوقت، الذي كانت فيه الدول الغربية تكتشف كل يوم جديداً في حقول المعرفة، والتي عرفت بالثورة الصناعية.

    بداية الاضمحلال في الدولة العثمانية
    يتفق المؤرخون على أن عظمة الدولة العثمانية قد انتهت بوفاة السلطان سليمان القانوني عام (974هـ/ 1566م.( حيث فتح الطريق، من بعده، لاستلام السلاطين الضعاف زمام أمور الدولة، وذلك حين خلف لولاية عهده ابنه سليم الثاني، بدلاً من الأمير مصطفى، المتسم بقوة الشخصية، والتدريب الإداري، والعسكري الفائق. يضاف إلى ذلك أن العديد من السلاطين، الذين تولوا الحكم في الدولة في فترة التقهقر تلك، كانوا في سن الطفولة، فأصبحت أقوى دولة بيد الحريم أو آغاوات القصر. وعجَّل ذلك بالدولة إلى الهاوية. ولولا وجود بعض الصدور العظام الأقوياء، في تلك الفترة، لما بقيت الدولة إلى العصور التي تليها.
    وكانت معاهدة كارلوفجا، التي امتدت ستة عشر عاماً، أولى الهزائم العسكرية الكبرى، التي هزت كيان الدولة، وأدت إلى اهتزاز البنية الإدارية، والمالية، والاجتماعية للدولة العثمانية. فقد عقدت تلك المعاهدة بين كل من الدولة العثمانية، والنمسا، وروسيا، والبندقية، وبولونيا، في(24 رجب 1110هـ 26/ يناير1699م)، وتنازلت الدولة العثمانية بموجبها عن 000ر356 كم2 من أراضيها لتلك الدول. وقد وصف المؤرخ الفرنسي "فرنارد جرينارد" هذه المعاهدة بقوله: "إن عام(1699م) من أهم الأعوام التاريخية، حيث انتقلت الهيمنة الشرقية إلى أوروبا".
    ثم توالت بعد ذلك الإحن على الدولة، وإن كانت على فترات متباعدة. حيث اضطرت للتنازل لأعدائها، بموجب المعاهدات التي أبرمتها معها، مثل معاهدة كوجوك قاينارجه، التي وقعتها الدولة مع روسيا، في (1188هـ / 1774م)، عن القرم، وبسارابيا، وقوبان، وغيرها من الأراضي، إضافة إلى حرية الملاحة للسفن الروسية في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، وأن تبنى روسيا كنيسة لها في إستانبول، ويكون لها حق حماية جميع المسيحيين الأرثوذوكس القاطنين في البلاد العثمانية، وأن تدفع الدولة العثمانية خمسة عشر ألف كيسة غرامة حربية لروسيا. وكانت تلك أول خطوة لروسيا في إلحاق القرم بأراضيها. كما أنه، من خلال حق حماية الأرثوذوكس، كانت روسيا قد حفظت لنفسها حق التدخل في شؤون الدولة العثمانية الداخلية.
    وعلى الرغم من قيام الدولة، بعد ذلك بمحاولات إصلاح، بعدما تأكدت أنها لا تستطيع مواجهة القوات الدولية، إلاّ أن تلك المحاولات كانت محدودة مؤقتة، ولم تستمر طويلاً. وخاصة المحاولات، التي أجريت في عهد السلطان عبدالحميد الأول. ومما لا شك فيه أن الحروب، التي كانت تنشب بين فترة وأخرى بين العثمانيين من جهة، وبين روسيا من جهة أخرى، كانت تعرقل


    الحرب العالمية الأولى وانقراض الدولة العثمانية
    أمسكت جمعية الاتحاد والترقي بزمام الأمور في الدولة العثمانية، وأطاحت بحكم السلطان عبدالحميد الثاني، الذي كان يتحاشى الحروب بقدر الإمكان، محاولاً تحويل صراع الدول الغربية وروسيا على الدولة إلى صراع فيما بينها. وكان برنامج الاتحاد والترقي في الحكم يتركز على التغريب، وإحلال المؤسسات الغربية محل المؤسسات الإسلامية في الدولة، والتركيز على تتريك الحكم والنظام، متأثرة في كل ذلك بالشعارات الغربية، مما أدى بها إلى التشجيع على القومية التركية. فحصل النفور بين الشعوب الإسلامية المنضوية تحت لواء الخلافة الإسلامية وبين برنامج الحكومة، ولا سيما بعد نشر الأفكار القومية لدى العرب أيضاً.
    وفي خضم ذلك، نشبت الحرب العالمية الأولى، عام(1333هـ/1914م)، التي تحالفت فيها الدولة العثمانية مع ألمانيا والنمسا، ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا. على أنه لم يكن لديها أي استعداد لخوض غمار الحرب. وكان النصر، في السنتين الأوليين من الحرب، من نصيب الدولة العثمانية وحليفاتها، غير أن قيام الثورة العربية الكبرى، بزعامة الشريف حسين عام 1335)هـ/1916م)، كان أكبر ضربة وجهت للدولة العثمانية والجامعة الإسلامية بوجه خاص. حيث فقدت الدولة مع نهايات الحرب عام( 1338هـ/ 1918م(، كل أملاكها في الجزيرة العربية، بل في معظم البلاد العربية. ووقعت عدة معاهدات، استهدفت تقسيم أملاك الدولة العثمانية. مثل معاهدة الآستانة عام(1334هـ 1915/م(، ومعاهدة لندن عام (1334هـ/1915م)، ومعاهدة سايكس بيكو عام 1335)هـ/ 1916م)، ومعاهدة سان جان دي مورين عام (1336هـ/1917م)، ثم معاهدة سيفر عام( 1339هـ/ 1920م (التي عقدت في مدينة سيفر الفرنسية، وتخلت الدولة العثمانية بموجبها عما تبقى من أراضيها في تراقيا بما في ذلك مدينة أدرنة، وتخلت عن حقوقها في جزيرتي إمروز وتندوس.وقلصت تلك المعاهدة سيادة الدولة العثمانية، فقد حُدد عدد الجيش العثماني بخمسين ألف جندي، يخضعون لإشراف الضباط الأجانب، وحُدد سلاح الجيش والأسطول، وأعيدت الامتيازات الأجنبية، كما شُكِّلت لجنة جديدة للبت في الإشراف على الديون العثمانية، وعلى ميزانية الدولة، وعلى الضرائب، والرسوم الجمركية، وغيرها من الأمور المالية.
    وفي تلك الأثناء، شُكِّلت حكومة في أنقره، بزعامة مصطفى كمال آتاتورك، كانت منفصلة عن حكومة إستانبول. وبدأ النظام الجديد في أنقره، معلناً التمرد على حكومة إستانبول، وجعل من المجلس الوطني الكبير حكومة فعلية، حيث أقر المجلس، عام( 1340هـ/1921م)، الدستور الجديد، ورفض كل المعاهدات التي أبرمتها حكومة إستانبول، وفي الوقت نفسه، عقد مصطفى كمال اتفاقاً مع روسيا، اعترفت روسيا بموجبه بالميثاق الوطني الذي أعلنته حكومة أنقره. كما عقد مؤتمر في لندن عام( 1340هـ/1921م)، للتخفيف من شروط الصلح، مما أضفى طابعاً شرعياً على حكومة أنقره، في إرجاع القرار الخاص بوضع الأناضول إليها. وقد جرت عدة اتفاقات مع الدول المعنية في الانسحاب من بعض الأراضي التركية، فتنازلت روسيا عن باطوم، وفرنسا عن كيلكيا، وإيطاليا عن أنطاكيا، ونشب القتال مع اليونانيين، وانتصرت القوى الوطنية في معركة سقاريا على اليونانيين عام (1340هـ/1922 م). ورغم أن حكومة إستانبول دعت إلى مؤتمر لوزان إلى جانب حكومة أنقره، إلا أن الأخيرة قامت بإلغاء السلطنة من نظام الدولة العثمانية في( 12 صفر 1341هـ/ 4 نوفمبر 1922م)، حتى لا تلقى القبول لدى المؤتمر، فاستقال الصدر الأعظم توفيق باشا، ولم يعين السلطان محمد السادس غيره مكانه، مما أشار إلى خضوع السلطان لحكومة أنقره. وسافر السلطان إلى بريطانيا لاجئاً، فعينت حكومة أنقرة عبدالمجيد أفندي خليفة في (26 ربيع الأول 1341هـ/ 16 نوفمبر 1922م)، متجرداً من صفة السلطان. وانتهت حرب الخلاص الوطني، وأُعلنت الجمهورية في (30 ربيع الأول 1341هـ 20/ نوفمبر 1922م)، ثم ألغيت مؤسسة الخلافة من حياة تركيا في (28 رمضان 1342هـ/3 مايو 1924م)، وأُجبر أفراد أسرة آل عثمان على مغادرة تركيا نهائياً.
    وبذلك انطوت أخر صفحة من صفحات تاريخ الدولة العثمانية، ونشأت على أنقاضها الجمهورية التركية، التي اتخذت من العلمانية مبدأ لها في الحياة. وأُلغيت المؤسسات الدينية، وأُقيمت مكانها مؤسسات أخرى، مبنية على مبدأ فصل الدين عن الدولة




  2. #2
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    الحرب العالمية الأولى


    في العقد الثاني من القرن العشرين اندلعت حرب لم يشهد تاريخ البشرية من قبل مثيلا لها ، لا من حيث مساحة رقعة عملياتها، ولا من حيث نوع الأسلحة المستخدمة فيها ، ولا من حيث عدد القتلى والجرحى الذين سقطوا فيها 0 لذلك أطلق عليها بحق أسم الحرب الكبرى ، أو الحرب العالمية الأولى (1914-1918)

    1-الأسباب

    I-التنافس الاستعماري: عرف القرن التاسع عشر بقرن الاستعمار 0فقد سعت الدول الصناعية الكبرى خلاله إلى مزيد من المستعمرات للحصول على المواد الأولية ، والأيدي العاملة ، والأسواق الاستهلاكية لمنتجاتها 0فنشأ بينها سباق محموم الى التسلح 0
    Ii-الصراع الفرنسي –الألماني:بدأ هذا الصراع عندما احتلت ألمانيا مقاطعتي الألزاس واللورين الفرنسيتين سنة 1870م 0وفي بداية القرن العشرين أرادت فرنسا ضم المغرب إلى مستعمراتها في شمال أفريقيا ، فتصدت لها ألمانيا خوفا على مستعمراتها في أفريقيا الوسطى 0 وكادت الحرب أن تنشب بين الدولتين لولا تدخل بريطانيا والولايات الأمريكية المتحدة ، ومنح ألمانيا قسما من الكونغو مقابل حصول فرنسا على المغرب0
    ج- صراع القوميات:في أواخر القرن التاسع عشر تحررت معظم أراضي البلقان من السيطرة العثمانية 0 غير أن الدول المستقلة التي قامت فيها على أساس قومي ، لم تستطيع منع الإمبراطوريات الكبرى المحيطة بها من التدخل في شؤونها 0 وعندما قامت النمسا بضم منطقة البوسنة –الهرسك إلى أراضيها (1908م) ،برغم أعتراض الصرب ،أنقسمت أوروبا إلى معسكرين :التحالف الثلاثي (النمسا وألمانيا وإيطاليا ) والوفاق الودي (فرنسا وبريطانيا وروسيا )0
    د-السبب المباشر: في 28 يونيو 1914م إغتال طالب صربي ولي عهد النمسا فرانسوا فرديناند وزوجته في ساراييفو عاصمة البوسنة، فاندلعت الحرب0

    2-مراحل الحرب:

    أ-المرحلة الأولى :اقتصرت العمليات العسكرية خلالها على الجبهة الأوروبية 0فبعدما أجتاح الألمان بلجيكا وشمال فرنسا ،تمكن الإنكليز والفرنسيون من إيقاف زحفهم في معركة المارن (1914)0
    ب-المرحلة الثانية :تميزت بالثبات في المواقع (حرب الخنادق)، وكان من أبرز الأحداث فيها دخول تركيا وبلغاريا الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا ، وانتصار الإنكليز والفرنسيين على الألمان في معركة فردان (1916م)، والمحاولة الفاشلة التي قام بها الأتراك لتحرير قناة السويس ومصر من قبضة الإنكليز 0
    وقد برزت في هذه المرحلة أيضا ثورة الشريف حسين في الحجاز بدعم من الإنكليز0
    ج- المرحلة الثالثة : شهدت هذه المرحلة انسحابا روسيا من الحرب بعد قيام الثورة الشيوعية فيها (1917م) ، ودخول الولايات المتحدة في القتال إلى جانب الحلفاء ، مما أدى إلى هزيمة ألمانيا في معركة المارن الثانية (1918م) وانتهاء الحرب0

    3-النتائج :

    أسفرت الحرب العالمية الأولى عن وقوع ملايين القتلى والجرحى ،عدا الدمار الهائل الذي حل بالأراضي الزراعية والتجمعات السكنية 0 فشلت الحركة الاقتصادية في العالم كله 0 وعلى الصعيد السياسي أدت هذه الحرب إلى تغيير جذري في خريطة أوروبا السياسية 0إذ قامت فيها دول جديدة على حساب إمبراطوريات ألمانيا والنمسا وروسيا الشيوعية 0 أما الوطن العربي فتخلص من السيطرة التركية ليقع في قبضة الاستعمار الأوروبي ، أو الانتداب 0 وقد أملت الشعوب المستضعفة خيرا بإعلان مبادئ الرئيس الأميركي ولسون وبتأسيس عصبة الأمم 0 غير أن مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس (1919م) أعطى الدول المنتصرة ، مكاسب استعمارية جديدة




  3. #3
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    تقرير - الدولة العباسية





    الدولة العباسية




    تنسب الدولة العباسية إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم). وبنو العباس هم الفرع الثاني من بني هاشم، أما الفرع الأول فهم العلويون أبناء الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه. وكان لتأسيس الدولة العباسية قصة طويلة، بدأت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) عندما طالب بنو هاشم بإسناد الخلافة إلى أهل الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) وذويه، ولم يكتب لهم النجاح بإجماع المسلمين على خلافة أبى بكر الصديق رضي الله عنه والخلفاء الراشدين من بعده. ومع هذا لم ينس بنو هاشم مطلبهم خاصة بعد أن آلت الخلافة إلى بني أمية. ومن مدينة «الكوفة» بالعراق بدأ العباسيون يخططون لدولتهم في سرية تامة وأخذوا يرسلون الدعاة إلى بلاد فارس وخراسان، وحتى لا يثيروا العلويين ضدهم نادوا في البداية بالدعوة للرضا من آل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) وهكذا اشترك جميع بني هاشم في بناء الدولة عباسيين وعلويين، إلا أن بني العباس استطاعوا بدهائهم أن يستأثروا وحدهم بالسلطة. والحق يقال أن هناك عدة عوامل ساعدت على قيام الدولة العباسية، فإلى جانب التخطيط الجيد والسرية، أحسن العباسيون اختيار الدعاة والرجال الذين أقاموا الدولة وأذكر من هؤلاء أبا مسلم الخراساني أبرز الدعاة في خراسان، و أبا سلمة الخلال كبير الدعاة بالكوفة. وكان ازدهار الدعوة العباسية وانتشارها في خلافة عمر بن عبد العزيز فقد استقرت الأمور في عهده، ولم يكن يميل إلى القسوة على بني هاشم. وظل العمل الدءوب المستمر من قبل الدعاة العباسيين حتى كانت ليلة الخميس الخامس والعشرين من رمضان سنة 129 هـ إذ ظهر العباسيون براياتهم السوداء وأعلنوا الثورة على الدولة الأموية. وانطلقت الجيوش العباسية بقيادة أبى مسلم الخراساني وقحطبة بن شبيب تزحف على ولايات الدولة الأموية وتستولى عليها، فقد دانت خراسان كلها لأبى مسلم الخراساني، ودانت الكوفة لقحطبة بن شبيب. وبمرور الوقت دانت كل المدن الأموية للعباسيين من أقصى الشرق حيث كابل لأقصى الغرب حيث قرطبة و أشبيلية مرورا بالقدس و الخليل و الرها وغيرهم.
    وشهد عام 132 هـ بالتحديد حدثًا تاريخيًا كبيراً وهو سقوط دولة بني أمية لتنمو وتزدهر على أرضها شجرة الدولة العباسية. وبدأ ذلك بانتقال مؤسس الدولة أبى العباس عبد الله بن محمد -المعروف بالسفاح - ومعه الأسرة العباسية إلى «الكوفة» وهناك بايعه النقباء والأمراء بالخلافة في قصر الإمارة. ثم خرج إلى الناس فخطب فيهم وأخذ البيعة. وتم الأمر لبني العباس بمقتل مروان بن محمد أخر خلفاء بني أمية في جمادى الأخرة سنة 132 هـ. والآن أريد أن أحدثكم عن أمر حيرنى، فقد اختلف إخواني المؤرخون في كيفية تقسيم الدولة العباسية، فبعضهم قسمها إلى عصور قوة وضعف حسب قوة الدولة ووضعها في كل مرحلة من مراحل تاريخها، وبعضهم الأخر قسمها حسب العوامل المختلفة التي أثرت في سيرة الدولة كسيطرة الجند والقادة على مركز الخلافة أو تأثير الدول القوية على الخلفاء. ولكنى سآخذ بالتقسيم الذي استقر عليه غالبية المؤرخين وهو تقسيم الدولة العباسية إلى ثلاثة عصور رئيسية هي:
    1- العصر العباسي الأول: ويمتد في الفترة من 132 هـ - 232 هـ ، وكان أقوى عصور الدولة العباسية.
    2- والعصر العباسي الثاني: ويمتد في الفترة 232 هـ - 590هـ وفي هذا العصر بدأت تضيع السلطة من أيدي الخلفاء، وسيطر العسكريون على الحكم.
    3- وأما العصر العباسي الثالث والأخير: فيقع في الفترة من (590 - 656هـ) وفيه انحصرت دولة الخلافة في بغداد وما حولها بينما سيطرت الدول المستقلة على باقي عواصم الخلافة. ومن خلال هذا التقسيم يسرني أن أحدثكم عن كل عصر على حدة، كأنه دولة مستقلة في فترة عمر الدولة العباسية التي استمرت من 132 هـ - 656هـ. ونبدأ من العصر العباسي الأول الذي يمتد قرنًا من الزمان منذ بداية تأسيس الدولة في عام 132 هـ إلى عام 232هـ.
    وحكم في هذه الفترة تسعة فروع من الشجرة العباسية هم على الترتيب :
    • أبو العباس السفاح ولى في الفترة من 132 - 136 هـ
    • أبو جعفر المنصور ولى في الفترة من 136 - 158 هـ
    • أبو عبد الله المهدي ولى في الفترة من 158 - 169 هـ
    • أبو محمد موسى الهادي ولى في الفترة من 169 - 170 هـ
    • هارون الرشيد ولى في الفترة من 170 - 193 هـ
    • أبو موسى محمد الأمين ولى في الفترة من 193 - 198 هـ
    • أبو جعفر عبد الله المأمون ولى في الفترة من 198 - 218 هـ
    • أبو إسحاق المعتصم ولى في الفترة من 218 - 227 هـ
    • أبو جعفر هارون الواثق ولى في الفترة من 227 - 232 هـ


    وهو أخر خلفاء الدولة في العصر الأول وامتدت الشجرة العباسية بعده في العصرين الثاني والثالث. ويعد العصر العباسي الأول العصر الذهبي لبني العباس، فقد سيطر الخلفاء العباسيون خلاله على مقاليد السلطة، ورغم ظهور بعض الدول المستقلة وأهمها الدولة الأموية بالأندلس ودولة الأدارسة بالمغرب والدولة الرستمية في الجزائر ودولة الأغالبة في تونس، إلا أن الدولة ظلت متماسكة حتى نهاية هذا العصر. وكانت تجمع هذه الدول جميعًا راية الإسلام وتربطهم حضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية التي قامت على الوحدانية المطلقة لله، والاستقامة على منهجه، وآمنت بالمبادئ الإنسانية مثل التسامح الديني والمساواة العنصرية والقيم الرفيعة مثل الأخلاق الحربية والرفق بالحيوان والوعي بالزمن، وقد أثبت التاريخ أنها حضارة إنسانية عالمية.
    ونعود إلى العصر العباسي الأول وقد قلنا انه أزهى عصور الدولة العباسية ورغم ذلك فقد توقفت فيه الفتوحات الإسلامية الكبيرة ويرجع هذا إلى عدة أسباب منها انشغال العباسيين بالصراعات الداخلية مع العلويين في العراق والحجاز ومع الأمويين في الأندلس بالإضافة إلى الصراع المستمر مع الخوارج. ولا يكاد يوجد غزو أو فتوحات مهمة سوى فتح عمورية في بلاد الروم بقيادة المعتصم، وفتح صقلية بقيادة الفقيه القائد أسد بن الفرات، بالإضافة إلى فتح بعض الثغور والقرى الصغيرة في العمليات العسكرية التي كانت تسمى بـ "الصوائف و الشواتى".



    والحق يقال أن عهد هارون الرشيد الذي ولى الخلافة من عام 170 هـ وحتى عام 193 هـ يعد أقوى وأزهى فترات الدولة العباسية في جميع عصورها، فقد استطاع بشخصيته القوية أن يقضى على حركات النزاع على الحكم التي تضعف الدولة، وكان الرشيد كثير الغزو لبلاد الروم مما أدى إلى تأمين الحدود الخارجية للدولة وبذلك استتب الأمن واستقرت الأحوال، ونظم العباسيون شئون الحكم وطوروا في مؤسسات الدولة التي كانت موجودة قبل ذلك فاهتموا بتنظيم الجيش وتحديد رتبه وقياداته، وكذلك الشرطة لحفظ الأمن الداخلي، وتطورت مؤسسة القضاء وأضيف إليها منصب قاضى القضاة وهو الذي كان يباشر بنفسه مع الخليفة أحكام ديوان النظر في المظالم، ونتيجة للاستقرار الاقتصادي اهتم العباسيون بتطوير دواوين الخراج والسكة.. وجعلوا الوزارة منصبا رسميا لأول مرة.
    ومع استقرار الدولة بدأت تظهر نتائج الحضارة الإسلامية في العلوم والمعارف والفنون. ولكي أحدثكم عنها فسوف آخذكم في جولة سريعة لزيارة آثار العباسيين في العمارة وخاصة في مدينة «بغداد» التي بناها المنصور سنة 146 هـ والتي نشاهد فيها روائع العمارة الإسلامية في العصر العباسي الأول وخاصة «قصر الأخيضر» الذي يعد أجمل وأروع القصور العباسية ولا يضاهيه في الجمال سوى «قصر المعتصم» في «سامراء» وهى العاصمة الثانية للخلافة العباسية، وأما عن «عمارة المساجد» فنلاحظ التطور الذي حدث فيها في «المسجد الجامع» في «سامراء» والذي يتميز بتصميم فريد لم يظهر من قبل وخاصة في مئذنته الحلزونية الشهيرة، والزائر للمسجد يلاحظ تقنية الصوتيات المعمارية المتقدمة. وفي الآثار المعمارية للعباسيين نشاهد روائع الفن الإسلامي في ذلك العصر فنرى ونشاهد «التصوير الجدارى» في القصور العباسية بالإضافة إلى الزخارف الجصية من خلال فن «النحت على الحجر» برسم تفريعات نباتية ذات أوراق كبيرة كما ظهر فن «النحت على الخشب» في قطعة خشبية عثر عليها علماء الآثار في سامراء. وينسب إلى أوائل العصر العباسي مجموعة من الأواني الخزفية التي ظهرت فيها ابتكارات المسلمين في «فن الخزف».
    ومن جماليات العمارة والفن إلى ثراء العلم والفكر، فمن مفاخر العصر العباسي الأول أنه ظهر فيه حشد كبير من العلماء في مختلف العلوم والفنون والآداب، ويكفي هذا العصر فخراً أنه اجتمع فيه أئمة «الفقه» الأربعة أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة وعلى رأسهم الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان وفقيه «المدينة» الإمام مالك بن أنس والإمام الشافعي والإمام الممتحن أحمد بن حنبل وظهرت في الفقه الإسلامي مدرستان علميتان كبيرتان هما مدرسة أهل الرأي في العراق، ومدرسة أهل الحديث في المدينة المنورة. وحفل هذا العصر أيضًا بأئمة علوم القرآن وعلوم اللغة العربية فظهر منهم سيبويه والخليل بن أحمد وأبو عمرو بن العلاء والإمام الفراء والكسائي وظهرت في علوم اللغة أيضًا مدرستان علميتان هما: مدرسة «البصرة»، ومدرسة «الكوفة». وفي التاريخ ظهر أول تاريخ كامل للسيرة النبوية الشريفة في كتابي «سيرة ابن هشام» وكتاب «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد. وأما عن تطور العلوم في العصر العباسي الأول، فقد انتقلت العلوم من مرحلة التلقين الشفوي إلى مرحلة التدوين والتوثيق في كتب وموسوعات، وظهرت أول مؤسسة علمية من نوعها وهى «دار الحكمة» التي تأسست في عهد الرشيد ووصلت إلى أوج نشاطها العلمي في التصنيف والترجمة في عهد المأمون، ومن الجدير بالذكر أن المسلمين لم يكتفوا بمجرد الترجمة بل كانوا يبدعون ويضيفون إلى كل علم يترجمونه وكانت «المجالس والندوات العلمية» منتدىً خصبًا للحوار بين العلماء. ومن الإنجازات العلمية المهمة في هذا العصر المرصد الفلكي الذي شيده الخليفة المأمون في بغداد،وكان أكبر المراصد الفلكية في هذا العصر، وقد عمل فيه أكبر علماء «الفلك» المسلمين وقد تمكنوا -من خلاله- من تفسير ظاهرة الجاذبية، وتعيين خط العرض وقياس طول محيط الأرض وقد ساعدهم في هذا علماء الجغرافيا و الهندسة، ولا أنسى جهود العلماء المسلمين في العلوم الطبية وخاصة علم التخدير وطب العيون.
    وقد كان للعديد والعديد من العواصم والمدن الكبرى إشعاع حضاري وعلمي ذو بريق، ومنها مكة والمدينة بالحجاز، والفسطاط والإسكندرية في مصر، وفاس والقيروان بالمغرب، وحلب ودمشق في الشام، ومدن ما وراء النهر كبخارى وطشقند وخوارزم وسمرقند، ونيسابور في خراسان، وأشبيلية وقرطبة في الأندلس، بالإضافة إلى بغداد عاصمة الخلافة. وأخيراً أحب أن أشير إلى عشرات الشخصيات البارزة في العصر العباسي الأول الذين بنوا هذه الدولة وكانوا صناع حضارتها وتركوا لنا أمثلة رائدة وقدوة حقيقية في الإيمان والجهاد والعمل، ولأن الحديث عنها قد يطول ويطول. داعيًا الله عز وجل أن تستمتعوا معي بالرحلة وتأخذوا منها العبرة والفكرة والذكرى الطيبة العطرة




  4. #4
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    تقرير

    الدولة الأموية:

    تنسب الدولة الأموية إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وكان سيداً من سادات قريش في الجاهلية.. وكان بنو أمية من المتأخرين في دخول الإسلام إذ أسلم أبو سفيان بن حرب عند فتح مكة.
    ولكن بعد إسلامهم أبلوا في خدمة الإسلام بلاءً حسناً وكان لهم دور كبير في عدد من الأحداث الجسام أذكر منها دورهم البطولي في حروب الردة، كما ساهم بنو أمية في نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية.
    وقد كانت نشأة الدولة الأموية قصة تاريخية مشهورة إذ كان التمهيد لبدايتها فتنة شديدة قامت بين رابع الخلفاء الراشدين سيدنا على بن أبى طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبى سفيان رضي الله عنهما حين عارض معاوية خلافة على بن أبى طالب بحجة أن علياً تهاون في الدفاع عن عثمان بن عفان رضي الله عنه .
    وأسفرت هذه الفتنة عن معارك عنيفة بين الجانبين استمرت حتى يوم 17 رمضان سنة 40 هجرية حين قتل أحد الخوارج الخليفة الراشد سيدنا على بن أبى طالب ..
    وكان من الممكن أن تستمر هذه المحنة طويلاً لولا أن الحسن بن على الذي بويع بالخلافة بعد أبيه رضي الله عنهما تنازل عنها لمعاوية بن أبى سفيان رضي الله عنهما حقناً لدماء المسلمين وتوحيداً لكلمتهم .. وقد كان ذلك في عام 41 هـ الذي سمى بعام الجماعة.. وهو يعد البدء الحقيقي للدولة الأموية التي بدأت بالتحديد حين أخذت البيعة لمعاوية بن أبى سفيان بالكوفة في حضور الحسن والحسين رضي الله عنهما يوم 25 ربيع الأول عام 41 هجرياً.


    معاوية بن أبي سفيان:

    هو معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومؤسس الدولة الأموية في الشام..
    أسلم يوم فتح مكة سنة 8هـ...
    وتعلم الكتابة والحساب وكان من كُتَّاب النبي صلى الله عليه وآله و سلم وروى عنه 130 حديثًا.. وروى عنه بعض الصحابة منهم: ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن الزبير وأبو الدرداء رضي الله عنهم..
    وحينما ولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعثه مع أخيه يزيد بن أبى سفيان إلى الشام، ولما مات يزيد استخلفه على دمشق، وأقرَّه عمر رضي الله عنه على دمشق، وفى خلافة عثمان رضي الله عنه جَمع له الديار الشَّامية كلها، وجعل ولاة أمصارها تابعين له..
    ولمَّا قُتل عثمان بن عفان وولى الخلافة على بن أبى طالب خرج عليه معاوية، ونشبت الحروب بينهما انتهت بقتل على رضي الله عنه ثم تنازل له الحسن بن على رضي الله عنه منعًا لوقوع الاختلاف بين المسلمين وكان ذلك سنة 41 هـ.
    ودامت لمعاوية الخلافة إلى أن بلغ سن الشيخوخة فعهد بالخلافة إلى ابنه يزيد..
    وقد بلغت فتوحات معاوية بن أبى سفيان المحيط الأطلنطي، وافتتح عامله بمصر بلاد السودان سنة 43هـ، وهو أول مسلم ركب بحر الروم للغزو..
    وفى أيامه فُتح كثر من جزائر يونان، و الدردنيل ، وحاصر القسطنطينية برًا وبحرًا سنة 48هـ، وهو أول من جعل دمشق مقرًا لخلافته، وهو أول من اتخذ الحجاب في الإسلام، وأول من نصب المحراب في المسجد..
    كذلك يعتبر معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه أول من خالف قاعدة الشورى في الخلافة،حيث عهد بالخلافة لابنه من بعده، وتوفى معاوية بن أبى سفيان في دمشق سنة 60 هـ




  5. #5
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    فلسفة الرومان




    المقدمة
    فإني أضع هذا البحث المؤجز أرت الدراسه حول موضوع الفلسفة عند الرومان ، ولقد دفعني للقيام بهذا البحث سببان.
    1) معرفة الفلسفة أو المعني؟
    2) مدى انتشار الفلسفة لدى الرومان ؟ .
    لقد اعتمدت على ثلاثة مصادر وهي كتاب تاريخ الحضارات العام المؤلف أندريه إيمار وكتاب الموسوعة العربية الميسرة للدكتور / غربال، وحمد شفيق. وكتاب المعرفة للشبطي ، وسوف أتحدث عن نبذه مختصرة عن تعريف الفلسفة ومن ثم الدخول في الفلسفة عند الرومان ، وعسى أن ينال البحث على رضاكم .






    نبذه مختصرة عن تعريف الفلسفة.
    الفلسفة معناها هي المبادئ الأولى للوجود والفكر دراسة موضوعيه تنشد الحق وتهتدي بمنطق العقل ، ولذلك لا تبدأ الفلسفة بمسلمات مهما كان مصدرها ، فإذا كان الدين يرتكز على الإيمان ، فالفلسفة لا تجعل الإيمان سندا لما يوصف بأنه حق ، وللفلسفة فروع مثل ، الميتافيزيقا – تبحث في مطلق الوجود أي مجرد عن كل صفه فيما خلال الوجود نفسه.
    2) المنطق ،و يبحث في حدود الفكر مجردة عن حادثه وفي مبادئ الاستدلال .( )
    وهناك تعريف أكثر للفلسفة وهي المعارف العامة وبأتساع نطاق التجارب والمشاهدات والتقدم البحث العقلي.
    أخذ كل لون من ألوان المعرفة يستغل بذاته كلما واضح المعالم بين المنهاج ، فالإنسان شغوف بالمعرفة متطلع إلى البحث والتنقيب والتأهل الفلسفي يتخطى بنا حدود الإمكانيات التجريبية ويبحث القيم ذاتها ومن هنا يتضح المنهج الفلسفي منهج عقلي في جوهره بمعنى أن الفلسفة لا تقرأ شيئا على أنه الصواب إلا ما يراه العقل أنه كذلك والفلسفة انتشرت في الحضارات القديمة من الإغريق مثل الإغريق والصينيين والمصريين القدماء وعند المسلمين أيضا ، لكن سوف نتحدث في هذا التقريب عن الرومان والفلسفة ( )









    الفلسفة عند الرومان:-
    أعتنق الرومان الفلسفة كانا يكرهوها ، أو يضفوا الشعب الإغريقي بالثرثرة ، لم يكن للرومان فلسفة أصيلة ولكنهم كانوا عاله على اليونان تذهبوا بالرواقية والأبيقوريه ، وإقبسوا بعض الآراء من المدارس الأخرى ( الإغريقية ) أو أعجبوا بها.
    تعريفا للرواقيه وهي مدرسه فلسفيه أسسها زينون 200 ق.م. ثم هذا بها أتباعه . ومن ثم انتقلت إلى روما فاجتذبت إعلاما مثل نسكا وأبكتاتوس وغيرهم ويرى الروابون إن الحقيقة مادية تسودها قوه توجهها وهي الله . وما دامت الطبيعة تسير وفق العقل فمن الحكمة أن يسير الإنسان وفق الطبيعة منصرفا عن ميل العواطف والأفكار التي تجيد حادة القانون الطبيعي وحرية الإنسان مرهونة بأدائه لواجبه في إفتعاء الطبيع وقوانينا ، علم زينو في رواف وإليه نسبت الروافيه.
    إن " كاتون " وأصدقائه ألقوا مزيدا من المقاومة في النصف الأول من القرن الثاني من قبل الحكومة ، ولكنها تغلبت على هذه المقاومة : إذ كيف يمكن العزوف عن الأفكار أعتبرها الإغريق أثمن زينه عقليه للإنسان ؟ وكان لتعليم الفلسفة في رودوس وأثينا الشهره نفسها. كانت لتعليم البلاغة ، وقد استهوى ، على غراره ، الشبيبة الرومانيه ، وألقيت محاضرات يده في روما نفسها . وتجدر الإشارة هنا إلي افتقار روما إلى مدارس فلسفه يوزع التعليم فيها اللاتينية على غرار مدارس البيان : فليس من موجب عملي يرغم على ذلك ، وليس أيضا – وهذا يفسر طموح شيشرون – من مذهب متميز نشأ في الغرب يفرض مفرداته الخاصة المقدمة
    أن الرواقيه ، بين المذاهب المنتشرة في العالم اليوناني فد أحرزت في روما أعلى درجة من النجاح ، وقد خدمها في ذلك أقامت أهم ممثليها في روما الذين كان لهم من قوه الفكر ما جعلهم يطبعون آراء أسلافهم بطابعهم الشخصي : باناييتيوس ، صديق شيبيون أميليانوس في القرن الثاني، وبزاييدونيوس الذي برع في أكثر من حقل من الحقول الفكرية ، في القرن الأول ، ومنذ البداية أيضا ، أقله في ما يعود للنزعات الأدبية ، تجمعت ظروف عديدة وقدّرت ( للرواق ) الانتشار : فهو يوصي بالعمل الذي يتوجب على الروماني ألا يحيد عنه، ويدعو باسم العقل إلى الحلي بالفضائل العابسة، العدل والشجاعة والقناعة ، التي تطابق المثل القومي التقليدي ، لا بل أن الخضوع نفسه للنظام الإلهي في العالم قد أنطوي على بعض ما يأخذ بمجامع القلب في مدينه تنهض بواجب تنظيم الأمبراطوريه التي سلطها عليها القدر . أجل لن يتم الفوز العظيم إلا في عهد لا حق ، أي في العهد الإمبراطوري. ولا يمكننا الاستشهاد إلا بأسم كاتون الأوتيكي حتى نحاول آنذاك ، ولول ببعض التكلف العقائدي وبعض الخور الذي تمحوه عظمة موته ، التوفيق بين سلوكه والمعتقد الذي اتعز بالمناداة به ، ولكن وجود الرواقيه أمر راهن منذ الآن ، وهي على أتم استعداد للتسرب إلى النفوس التي سيثيرها الاستعباد.
    على نقيض ذلك، وقبل إعصار الحرب الأهلية الطويلة ، يبدو أن الأبقورية ، في ظاهر أنانيتها اللأمبالية ، وفي حقيقة نبل تجردها على السواء ، لم تستمل سوى عدد قليل من المشايمين في روما: فهي أبعد من أن تثير إعجاب نخبة متعطشة إلى العمل . ولكن فخرها ، الفريد من نوعه آنذاك بين كافة المذاهب ، أنها قد ألهمت شاعراً كبيراً هو لوكريس.
    أن لهذه الملازمة وزنها ، ولكن ليس ، لسوء الطالع ، ما يوضحها : فالرجل غير معروف إلا بقصيدته التي لا تتضمن أي دلالة على حياته . لا ريب في أنه تألم أقله من المشهد لاذي وفره له معاصروه. ولكنه تباهي بأنه أكتشف تهدئه لآلامه في حكمة أبقور، فأخذ على نفسه تعليمها . فتميزه من ثم ليس في المعنى، بل هو ، كفريا، وفي الدرجة الأولى ، في شغف علمي متأجج يحمله ، بعد عرض نظرية ديموكريت المادية والذرية التي سبق لابيقور وتبناها ، على درس عدد كبير من الظواهر بغية تقديم الدليل على أنها كلها قد تقبل تفسيراً ، أو تفسيرات أحيانا ، لا تمت إلى ما فوق الطبيعة بصله . فلم يتراجع في هذا الصدد أمام أية جسارة وحذا أكثر من إغريقي. وإذا نحن لم نستطع اليومتقدير أهمية إسهامه الشخصي حق قدرها، فالاحترام الذي يوجبه مدى تونشاط هذه المحاولات لا يقبل أي تحفظ . أن تميزه، وهو يبدو بذلك ذا طابع روماني أعظم – يقوم أيضا في تصميمة على الأنشاء التعليمي وفي طابع البرهان العقلي الذي يطبع به أسلوبه . فهو يريد أقناع القاري بأن العلم ليس سوى مادة ، وأن كل شيء فيه ، حتى النفوس ، مركب من ذرات يتنوع جمعها وفاقا لمصادفة التقائها ويحررها الموت حتى تجمع بعده جمعا أتفاقيا جديدا . أن هذا اليقين وحده سيخلص الإنسان من رعبه حيال الموت ، الذي لا تعقبه أية مكافأة أو اية عقوبة ، حيال الآلهة الذين لا أثر لهم في العالم والذين " يقضون في هدوء دائم أياما دون اضطراب وحياة دون غمام" وأن تميزه أخيرا وخصوصا تميز أدبي قوامه الجمع العجيب بين قوة هذا المنطق وانفعال الشاعر الحاد ، فمن حيث أنه يفيض شفقة على البشر بسبب ألمهم المادي وآلامهم الأدبية الناجمة عن مخاوفهم ، يشعر بوغبة جنونية في إشراكهم في حقيقته وفي إحلالهم معه في " المناطق الصافية" : غير أن هذه اللهجة الحادة في كافة أجزاء قصيدته تناقض ، بهذا الصدد ، الهدوء الذي يدعى تلقين سره، أضف إلى ذلك أنهيهتز إعجابا ببهاء الطبيعة العظيم ويعبر عن أعجابة بنبرات يغذي حرارتها شعور زاخر . فهل ينم مؤلفة " طبيعة الأشياء" عن " فن كثير " كما كتب شيشرون الذي يعتقد بأرجحية نشره بعد وفاة لوكريس ؟ اجل قد ينم قدم اللغة والنظم عن تقليد مقصود للملاحم القديمة . ولكن لا يمكننا والحالة هذه أن نتصور اتفاقا أكمل بين المقاصد الجمالية وقوة مزاج الفنان.
    ومن هنا فأكبر فيلسوف روماني لمع أسمه في هذه الحقبة ، هو الأول أيضا بينكبار الأدباء اللأتين الذين لم أسمهم بعد عهد أغسطس هو الفيلسوف { سنيكا } قليلون جداً بين أصحاب العقول من أوتوا ما أوتي سنيكا من المواهب العقلية ، كما أنهم قليلون جداً ،من تم لهم ما تم له من خصب الانتاج الفكري، وسهولة العمل ويسرهن مكنه من وضع ، ما وضع من آثار فكرية .
    وهذه المثالية ، التي وضعها نصب عينية هي، مثالية الرواقيين التي لم تكن بعد أطلّت على روما والتي لم يكن تأثيرها قارب الزوال بعد ، وهذه المثالية، تبرز أكثر تشددا وقسوة عند بيرس Perse ، كما تبرز عند لوقين ، أشرق بيانا وأكثر وضوحا . فالفلسفة بمعناها الصحيح ، لا يستأثر بأحد من مفكري اللأتين في هذه الحقبة، والوحيد من يخصص لها، بين هؤلاء المفكرين ، ثلاثة أو أربعة كراريس ، هو أبوليه، تناول فيها بالبحث ، بعض تعاليم الفيثاغوريين أو الفلسفة الأرسطوطالية . وهكذا نرى أخلاقية المدرسة الرواقية، تتفاعل على أقدار تختلف دقة ، في نفوس الكثيرين ، كما توحي في القرن الثاني ، ليس فقط الموقف العام الذي يقفه أباطرة هذا العهد ، بل أيضا بعض القرارات لأتى أخذوها . فأن كان أسلوب سنيكا البياني ما لبث أن تناساه الناس، فأفكاره بقيت رائجة بعد موته بكثير.
    ورأيي أن الروايات عرفوا الفلسفة أسمى معارفها ومدى ازديادهم إليه لتطابق الحياة التي عاشوها وذلك من خلال المذهب الرواقي المثالي للروماني.




















    الخاتمة.
    ومن هنا تبين لنا إن الفلسفة هي عباده عن دائرة المعارف العامة وإدخال التفكير في حل الظواهر والمشاكل التي تصيب المجتمع ، ويتضح لنا ظهور العديد من المفكرين الرومان الذين وقفوا ف وجه الدولة لأبراز أفكارهم للشعب الروماني واهتمت هذه الدراسة في تغيير وجه نظر الرومان الفلسفة بعد ما اعتبروها مجرد ثرثرة وعدم انصياع لقانون من قبل الإغريق ، ورأينا تعريف الروواحه ودوي انتشارها في العالم الروماني القديم .


















    المراجع
    1) إيمار ، أندريه ، أوبوايه ، جابينن ، تر ، فريد م . دانر فؤاد ج أبو ريمان / تاريخ الحضارات العام ، بيروت عويدات للنشر والطباعة :1998م . ط 4 ، ج 2 .
    2) عزبال ، محمد شفيق ، الموسوعة العربية الميسرة ، القاهرة ، دار الشعب : 1965م ج 1.
    3) الشنبطي ، محمد فتحي ، المعرفة ، القاهرة دار الثقافة للطباعة والنشر: 1981م.




  6. #6
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    بحث في العلمانية

    المقدمة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .
    أما بعد :
    فإن أمتنا الإسلامية اليوم تمر بقترة من أسوأ فترات حياتها ، فهي الآن ضعيفة مستذلة ، قد تسلط عليها أشرار الناس من اليهود والنصارى ، وعبدة الأوثان ، وما لذلك من سبب إلا البُعد عن الالتزام بالدين الذي أنزله الله لنا ، هداية ورشادًا ، وإخراجًا لنا من الظلمات إلى النور .
    وقد كان هذا البُعد عن الدين في أول أمره مقصورًا على طائفة من المسلمين ، لكنه بدأ الآن ينساح حتى تغلغل في طائفة كبيرة من الأمة ، وقد كان لانتشار العلمانية على المستوى الرسمي والمستوى الفكري والإعلامي الأثر الأكبر ، في ترسيخ هذا البُعد وتثبيته ، والحيلولة دون الرجوع مرة أخرى إلى نبع الهداية ومعدن التقوى .
    1
    ما هي العلمانية ؟!
    سؤال قصير ، لكنه في حاجة إلى جواب طويل ، واضح وصريح ، ومن الأهمية بمكان أن يعرف المسلمون جوابًا صحيحًا لهذا السؤال ، وقد كُتِبَتْ - بحمد الله - عدة كتب في هذا المجال ، وما علينا إلا أن نعلم فتعمل .
    نعود إلى جوانب سؤالنا ، ولن نتعب في العثور على الجواب الصحيح ، فقد كفتنا القواميس المؤلفة في البلاد الغربية ، التي نشأت فيها العلمانية مؤنة البحث والتنقيب ، فقد جاء في القاموس الإنجليزي ، أن كلمة ( علماني ) تعني :
    1- دنيوي أو مادي .
    2- ليس بديني أو ليس بروحاني .
    3- ليس بمترهب (1) ، ليس برهباني .
    وجاء أيضًا في نفس القاموس ، بيان معنى كلمة العلمانية ، حيث يقول : العلمانية : هي النظرية التي تقول : إن الأخلاق والتعليم يجب أن لا يكونا مبنيين على أسس دينية .
    وفي دائر المعارف البريطانية ، نجدها تذكر عن العلمانية : أنها حركة اجتماعية ، تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب .
    ودائرة المعارف البريطانية حينما تحدثت عن العلمانية ، تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد ، وقد قسمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين :
    * إلحاد نظري .
    * إلحاد عملي ، وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العملي (2) .
    وما تقدم ذكره يعني أمرين :
    أولهما : أن العلمانية مذهب من المذاهب الكفرية ، التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الدنيا ، فهو مذهب يعمل على قيادة الدنيا في جميع النواحي السياسية
    2
    والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقانونية وغيرها ، بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه
    ثانيهما : أنه لا علاقة للعلمانية بالعلم ، كما يحاول بعض المراوغين أن يلبس على الناس ، بأن المراد بالعلمانية : هو الحرص على العلم التجريبي والاهتمام به ، فقد تبين كذب هذا الزعم وتلبيسه بما ذكر من معاني هذه الكلمة في البيئة التي نشأت فيها .
    ولهـذا ، لو قيـل عن هذه الكلمة ( العلمانية ) إنها : ( اللادينية ، لكان ذلك أدق تعبيرًا وأصدق ) ، وكان في الوقت نفسه أبعد عن التلبيس وأوضح في المدلول .
    كيف ظهرت العلمانية
    كان الغرب النصراني في ظروفه الدينية المتردية هو البيئة الصالحة ، والتربة الخصبة ، التي نبتت فيها شجرة العلمانية وترعرعت ، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهورة هي أول دولة تُقيم نظامها على أسس الفكر العلماني ، ولم يكن هذا الذي حدث من ظهور الفكر العلماني والتقيد به - بما يتضمنه من إلحاد ، وإبعاد للدين عن كافة مجالات الحياة ، بالإضافة إلى بغض الدين ومعاداته ، ومعاداة أهله - أقول لم يكن هذا حدثًا غريبًا في بابه ، ذلك لأن الدين عندهم حينئذ لم يكن يمثل وحي الله الخالص الذي أوحاه إلى عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام - ، وإنما تدخلت فيه أيدي التحريف والتزييف ، فبدلت وغيرت وأضافت وحذفت ، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدين المُبدَّل مع مصالح الناس في دنياهم ومعاملاتهم ، في الوقت نفسه الذي تعارض مع حقائق العلم الثابتة ، ولم تكتفِ الكنيسة - الممثلة للدين عندهم - بما عملته أيدي قسيسيها ورهبانها من التحريف والتبديل ، حتى جعلت ذلك دينًا يجب الالتزام والتقيد به ، وحاكمت إليه العلماء المكتشفين ، والمخترعين ، وعاقبتهم على اكتشافاتهم العلمية المناقضة للدين المبدل ، فاتهمت بالزندقة والإلحاد ، فقتلت من قتلت ، وحرَّقت من حرَّقت ، وسجنت من سجنت . 3
    ومن جانب آخر فإن الكنيسة - الممثلة للدين عند النصارى - أقامت تحالفًا غير شريف مع الحكام الظالمين ، وأسبغت عليهم هالاتٍ من التقديس ، والعصمة ، وسوَّغت لهم كل ما يأتون به من جرائـم وفظائع في حـق شعوبهم ، زاعمـة أن هذا هو الدين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به .
    من هنا بدأ الناس هناك يبحثون عن مهرب لهم من سجن الكنيسة ومن طغيانها ، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك ، إلا الخروج على ذلك الدين - الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين - والتمر عليه ، وإبعاده وطرده ، من كافـة جوانب الحياة السياسية ، والاقتصادية ، والعلمية ، والأخلاقية ، وغيرها .
    ويا ليتهم إذ خرجوا على هذا الدين المبدل اهتدوا إلى دين الإسلام ، ولكنهم أعلنوها حربًا على الدين عامة .
    وإذا كان هذا الذي حدث في بلاد الغرب النصراني ليس بغريب ، فإنه غير ممكن في الإسلام ، بل ولا متصور الوقوع ، فوحي الله في الإسلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلا هو ممكن التحريف والتبديل ، ولا هو ممكن أن يُزاد فيه أو يُنقص منه ، وهو في الوقت نفسه لا يحابي أحدًا ، سواء كان حاكمًا أو محكومًا ، فالكل أمام شريعته سواء ، وهو أيضًا يحافظ على مصالح الناس الحقيقية ، فليس فيه تشريع واحد يُعارض مصلحة البشرية ، وهو أيضًا يحرص على العلم ويحض عليه ، وليس فيه نص شرعي صحيح يُعارض حقيقة علمية ، فالإسلام حق كله ، خير كله ، عدل كله ، ومن هنا فإن كل الأفكار والمناهج التي ظهرت في الغرب بعد التنكر للدين والنفور منه ، ما كان لها أن تظهر ، بل ما كان لها أن تجد آذانًا تسمع في بلاد المسلمين ، لولا عمليات الغزو الفكري المنظمة ، والتي صادفت في الوقت نفسه قلوبًا من حقائق الإيمان خاوية ، وعقولاً عن التفكير الصحيح عاطلة ، ودينًا في مجال التمدن ضائعة متخلفة0
    4
    ولقد كان للنصارى العرب المقيمين في بلاد المسلمين دورٌ كبيرٌ ، وأثرٌ خطيرٌ ، في نقل الفكر العلماني إلى ديار المسلمين ، والترويج له ، والمساهمة في نشره عن طريق وسائل الإعلام المختلفة ، كما كان أيضًا للبعثات التعليمية التي ذهب بموجبها طلاب مسلمون إلى بلاد الغرب لتلقي أنواع العلوم الحديثة أثرٌ كبيرٌ في نقل الفكر العلماني ومظاهره إلى بلاد المسلمين ، حيث افتتن الطلاب هناك بما رأوا من مظاهر التقدم العلمي وآثاره ، فرجعوا إلى بلادهم محملين بكل ما رأوا من عادات وتقاليد ، ونظم اجتماعية ، وسياسية ، واقتصادية ، عاملين على نشرها والدعوة إليها ، في الوقت نفسه الذي تلقاهم الناس فيه بالقبول الحسن ، توهمًا منهم أن هؤلاء المبعوثين هم حملة العلم النافع ، وأصحاب المعرفة الصحيحة ، ولم تكن تلك العادات والنظم والتقاليد التي تشبع بها هؤلاء المبعوثون وعظموا شأنها عند رجوعهم إلى بلادهم إلا عادات ، وتقاليد ونظم مجتمع رافض لكل ما له علاقة ، أو صلة بالدين .
    ومثل هذا السرد الموجز وإن كان يدلنا على كيفية دخول العلمانية إلى بلاد المسلمين ،
    ( فإنه أيضًا ينبهنا إلى أمرين هامين ) :
    أحدهما : خطورة أصحاب العقائد الأخرى ، من النصارى وغيرهم الذين يعيشون في بلاد المسلمين ، وكيف أنهم يكيدون للإسلام وأهله ؟ مما يوجب علينا الحذر كل الحذر من هؤلاء الناس ، وأن ننزلهم المنزلة التي أنزلهم الله إليها ، فلا نجعل لهم في بلاد المسلمين أدنى نوع من أنواع القيادة والتوجيه ، كما ينبغي أن تكون كل وسائل الإعلام والاتصال بالجماهير موصودة الأبواب في وجوههم ، حتى لا يبثوا سمومهم بين المسلمين .. لكن من يفعل ذلك ! وكثير من الأنظمة تجعل لهم مكانة سامية من أجل نشر هذه السموم .. حسبنا الله ونعم الوكيل .
    5
    ثانيهما : خطورة الابتعاث الشديدة على أبناء المسلمين ، فكم من مسلم ذهب إلى هناك ثم رجع بوجه غير الوجه الذي ذهب به ، وقلب غير القلب الذي ذهب به ، وإذا كانت هناك دواعي لذهاب المسلمين للحصول على المعرفة في مجال العلوم التجريبية ، فكيف يمكننا القبول بذهاب بعض المسلمين للحصول على درجة علمية في علوم الشريعة بعامة ، واللغة العربية بخاصة ؟!!
    فهل اللغة العربية لغتهم أم لغتنا ؟! وهل القرآن الكريم أنزل بلغتهم أم بلغتنا ؟!
    وهل يُعقل أن المسلم يمكنه الحصول على المعرفة الصحيحة بعلوم الإسلام وشريعته من أناس هم أشدُّ الناس كفرًا وحقدًا على الإسلام وأهله ؟!

    صور العلمانية
    للعلمانية صورتان ، كل صورة منهما أقبح من الأخرى :
    الصورة الأولى :
    العلمانية الملحدة : وهي التي تنكر الدين كلية : وتنكر وجود الله الخالق البارئ المصور ، ولا تعترف بشيء من ذلك ، بل وتحارب وتعادي من يدعو إلى مجرد الإيمان بوجود الله ، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها ، إلا أن الحكم بكفرها أمر ظاهر ميسور لكافة المسلمين ، فلا ينطلي - بحمد الله - أمرها على المسلمين ، ولا يُقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفـارق دينه ، ( وخطر هذه الصورة من العلمانية من حيث التلبيس على عوام المسلمين خطر ضعيف ) ، وإن كان لها خطر عظيم من حيث محاربة الدين ، ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم بالتعذيب ، أو السجن أو القتل .
    6
    الصورة الثانية :
    العلمانية غير الملحدة (3) وهي علمانية لا تنكر وجود الله ، وتؤمن به إيمانًا نظريًا : لكنها تنكر تدخل الدين في شؤون الدنيا ، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا ، ( وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة ) من حيث الإضلال والتلبيس على عوام المسلمين ، فعدم إنكارها لوجود الله ، وعدم ظهور محاربتها للتدين (4) يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الكفرية ، فلا يتبينون ما فيها من الكفر لقلة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدين ، ولذلك تجد أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية ، والكثرة الكاثرة والجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك .
    ومثل هذه الأنظمة العلمانية اليوم ، تحارب الدين حقيقة ، وتحارب الدعاة إلى الله ، وهي آمنة مطمئنة أن يصفها أحد بالكفر والمروق من الدين ؛ لأنها لم تظهر بالصورة الأولى ، وما ذلك إلا لجهل كثير من المسلمين ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وسائر المسلمين ، وأن يفقه الأمة في دينها حتى تعرف حقيقة هذه الأنظمة المعادية للدين .
    ولهذا فليس من المستبعد أو الغريب عند المسلم الفاهم لدينه أن يجد في كلمات أو كتابات كثير من العلمانيين المعروفين بعلمانيتهم ذكر الله سبحانه وتعالى ، أو ذكر رسوله - - أو ذكر الإسلام ، وإنما تظهر الغرابة وتبدو الدهشة عند أولئك الذين لا يفهمون حقائق الأمور .
    والخلاصة :
    أن العلمانية بصورتيها السابقتين كفر بواح لاشك فيها ولا ارتياب ، وأن من آمن بأي صورة منها وقبلها فقد خرج من دين الإسلام والعياذ بالله ، وذلك أن الإسلام دين شامل كامل ، له في كل جانب من جوانب الإنسان الروحية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والأخلاقية ، والاجتماعية ، منهج واضح وكامل ، ولا يقبل ولا يُجيز أن يشاركه فيه منهج آخر ، قال الله تعالى مبينًا وجوب الدخول في كل مناهج الإسلام وتشريعاته : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } . وقال تعالى مبينًا كفر من أخذ بعضًا من مناهج الإسلام ، ورفض البعض الآخر ، { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون } .
    والأدلة الشرعية كثيرة جدًا في بيان كفر وضلال من رفض شيئًا محققًا معلومًا أنه من دين الإسلام ، ولو كان هذا الشيء يسيرًا جدًا ، فكيف بمن رفض الأخذ بكل الأحكام الشرعية المتعلقة بسياسة الدنيا - مثل العلمانيين - من فعل ذلك فلاشك في كفره .
    والعلمانييون قد ارتكبوا ناقضًا من نواقض الإسلام ، يوم أن اعتقدوا أن هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل من هديه ، وأن حكم غيره أفضل من حكمه (5) .
    * قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - : ( ويدخل في القسم الرابع - أي من نواقض الإسلام - من اعتقد أن الأنظمة القوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام ، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين ، أو أنه كان سببًا في تخلف المسلمين ، أو أنه يُحصر في علاقة المرء بربه ، دون أن يتدخل في شؤون الحياة الأخرى ) (6) .
    طبقات العلمانيين
    والعلمانيون في العالم العربي والإسلامي كثيرون - لا أكثر الله من أمثالهم - منهم كثير من الكتاب والأدباء والصحفيين ، ومنهم كثير ممن يسمونهم بالمفكرين ، ومنهم أساتذة في الجامعات ، ومنهم جمهرة غفيرة منشرة في وسائل الإعلام المختلفة ، وتسيطر عليها ، ومنهم غير ذلك .
    وكل هذه الطبقات تتعاون فيما بينها ، وتستغل أقصى ما لديها من إمكانات لنشر العلمانية بين الناس ، حتى غدت العلمانية متفشية في جل جوانب حياة المسلمين ، نسأل الله السلامة والعافية .
    نتائج العلمانية في العالم العربي والإسلامي
    وقد كان لتسرب العلمانية إلى المجتمع الإسلامي أسوأ الأثر على المسلمين في دينهم ودنياهم .
    وهاهي بعض الثمار الخبيثة للعلمانية :
    1- رفض الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى ، وإقصاء الشريعة عن كافة مجالات الحياة ، والاستعاضة عن الوحي الإلهي - ، بالقوانين الوضعية التي اقتبسوهاالمُنزَّل على سيد البشر محمد بن عبدالله - عن الكفار المحاربين لله ورسوله ، واعتبار الدعوة إلى العودة إلى الحكم بما أنزل الله وهجر القوانين الوضعية ، اعتبار ذلك تخلفًا ورجعية وردة عن التقدم والحضارة ، وسببًا في السخرية من أصحاب هذه الدعوة واحتقارهم ، وإبعادهم عن تولي الوظائف التي تستلزم الاحتكاك بالشعب والشباب ، حتى لا يؤثروا فيهم .
    2- تحريف التاريخ الإسلامي وتزييفه ، وتصوير العصور الذهبية لحركة الفتوح الإسلامية ، على أنها عصور همجية تسودها الفوضى ، والمطامع الشخصية .
    3- إفساد التعليم وجعله خادمًا لنشر الفكر العلماني وذلك عن طريق :
    أ- بث الأفكار العلمانية في ثنايا المواد الدراسية بالنسبة للتلاميذ ، والطلاب في مختلف مراحل التعليم .
    ب - تقليص الفترة الزمنية المتاحة للمادة الدينية إلى أقصى حد ممكن .
    جـ - منع تدريس نصوص معينة لأنها واضحة صريحة في كشف باطلهم .
    د - تحريف النصوص الشرعية عن طريق تقديم شروح مقتضبة ومبتورة لها ، بحيث تبدو وكأنها تؤيد الفكر العلماني ، أو على الأقل أنها لا تعارضه .
    هـ - إبعاد الأساتذة المتمسكين بدينهم عن التدريس ، ومنعهم من الاختلاط بالطلاب ، وذلك عن طريق تحويلهم إلى وظائف إدارية أو عن طريق إحالتهم إلى المعاش .
    و - جعل مادة الدين مادة هامشية ، حيث يكون موضعها في آخر اليوم الدراسي ، وهي في الوقت نفسه لا تؤثر في تقديرات الطلاب .
    4- إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة ، وهم المسلمون ، وبين أهل التحريف والتبديل والإلحاد ، وصهر الجميع في إطار واحد ، وجعلهم جميعًا بمنزلة واحدة من حيث الظاهر ، وإن كان في الحقيقة يتم تفضيل أهل الكفر والإلحاد والفسوق والعصيان على أهل التوحيد والطاعة والإيمان .
    فالمسلم والنصراني واليهودي والشيوعي والمجوسي والبرهمي كل هؤلاء وغيرهم ، في ظل هذا الفكر بمنزلة واحدة يتساوون أمام القانون ، لا فضل لأحد على الآخر إلا بمقدار الاستجابة لهذا الفكر العلماني .
    وفي ظل هذا الفكر يكون زاج النصراني أو اليهودي أو البوذي أو الشيوعي بالمسلمة أمرًا لا غبار عليه ، ولا حرج فيه ، كذلك لا حرج عندهم أن يكون اليهودي أو النصراني أو غير ذلك من النحل الكافرة حاكمًا على بلاد المسلمين .
    وهم يحاولون ترويج ذلك في بلاد المسلمين تحت ما سموه بـ ( الوحدة الوطنية ) .
    بل جعلوا ( الوحدة الوطنية ) هي الأصل والعصام ، وكل ما خالفوها من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - طرحوه ورفضوه ، وقالوا : ( هذا يعرض الوحدة الوطنية للخطر !! ) .
    5- نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية ، وتهديم بنيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية ، وتشجيع ذلك والحض عليه : وذلك عن طريق :
    أ - القوانين التي تبيح الرذيلة ولا تعاقب عليها ، وتعتبر ممارسة الزنا والشذوذ من باب الحرية الشخصية التي يجب أن تكون مكفولة ومصونة .
    ب - وسائل الإعلام المختلفة من صحف ومجلات وإذاعة وتلفاز التي لا تكل ولا تمل من محاربة الفضيلة ، ونشر الرذيلة بالتلميح مرة ، وبالتصريح مرة أخرى ليلاً ونهارًا .
    جـ - محاربة الحجاب وفرض السفور والاختلاط في المدارس والجامعات والمصالح والهيئات .
    6- محاربة الدعوة الإسلامية عن طريق :
    أ - تضييق الخناق على نشر الكتاب الإسلامي ، مع إفساح المجال للكتب الضالة المنحرفة التي تشكك في العقيدة الإسلامية ، والشريعة الإسلامية .
    ب - إفساح المجال في وسائل الإعلام المختلفة للعلمانيين المنحرفين لمخاطبة أكبر عدد من الناس لنشر الفكر الضال المنحرف ، ولتحريف معاني النصوص الشرعية ، مع إغلاق وسائل الإعلام في وجه علماء المسلمين الذين يُبصِّرون الناس بحقيقة الدين .
    7- مطاردة الدعاة إلى الله ، ومحاربتهم ، وإلصاق التهم الباطلة بهم ، ونعتهم بالأوصاف الذميمة ، وتصويرهم على أنهم جماعة متخلفة فكريًا ، ومتحجرة عقليًا ، وأنهم رجعيون ، يُحارون كل مخترعات العلم الحديث النافع ، وأنهم متطرفون متعصبون لا يفقهون حقيقة الأمور ، بل يتمسكون بالقشور ويَدعون الأصول .
    8- التخلص من المسلمين الذين لا يهادنون العلمانية ، وذلك عن طريق النفي أو السجن أو القتل .
    9- إنكار فريضة الجهاد في سبيل الله ، ومهاجمتها واعتبارها نوعًا من أنواع الهمجية وقطع الطريق .
    وذلك أن الجهاد في سبيل الله معناه القتال لتكون كلمة الله هي العليا ، وحتى لا يكون في الأرض سلطان له القوة والغلبة والحكم إلا سلطان الإسلام ، والقوم - أي العلمانيين - قد عزلوا الدين عن التدخل في شؤون الدنيا ، وجعلوا الدين - في أحسن أقوالهم - علاقة خاصة بين الإنسان وما يعبد ، بحيث لا يكون لهذه العبادة تأثير في أقواله وأفعاله وسلوكه خارج مكان العبادة .
    فكيف يكون عندهم إذن جهاد في سبيل إعلاء كلمة الدين ؟!!
    والقتال المشروع عند العلمانيين وأذنابهم إنما هو القتال للدفاع عن المال أو الأرض ، أما الدفاع عن الدين والعمل على نشره والقتال في سبيله ، فهذا عندهم عمل من أعمال العدوان والهمجية التي تأباها الإنسانية المتمدنة !!
    10- الدعوة إلى القومية أو الوطنية ، وهي دعوة تعمل على تجميع الناس تحت جامع وهمي من الجنس أو اللغة أو المكان أو المصالح ، على ألا يكون الدين عاملاً من عوامل التجميع ، بل الدين من منظار هذه الدعوة يُعد عاملاً من أكبر عوامل التفرق والشقاق ، حتى قال قائل منهم : ( والتجربة الإنسانية عبر القرون الدامية ، دلَّت على أن الدين - وهو سبيل الناس لتأمين ما بعد الحياة - ذهب بأمن الحياة ذاتها ) .
    هذه هي بعض الثمار الخبيثة التي أنتجتها العلمانية في بلاد المسلمين ، وإلا فثمارها الخبيثة أكثر من ذلك بكثير .
    والمسلم يستطيع أن يلمس أو يدرك كل هذه الثمار أو جُلها في غالب بلاد المسلمين ، وهو في الوقت ذاته يستطيع أن يُدرك إلى أي مدى تغلغلت العلمانية في بلدٍ ما اعتمادًا على ما يجده من هذه الثمار الخبيثة فيها .
    والمسلم أينما تلفت يمينًا أو يسارًا في أي بلد من بلاد المسلمين يستطيع أن يدرك بسهولة ويسر ثمرة أو عدة ثمار من هذه الثمار الخبيثة ، بينما لا يستطيع أن يجد بالسهولة نفسها بلدًا خاليًا من جميع هذه الثمار الخبيثة .
    وسائل العلمانية في تحريف الدين في نفوس المسلمين وتزييفه
    للعلمانية وسائل متعددة في تحريف الدين في نفوس المسلمين منها :
    1- إغراء بعض ذوي النفوس الضعيفة والإيمان المزعزع بمغريات الدنيا من المال والمناصب ، أو النساء لكي يرددوا دعاوى العلمانية على مسامع الناس ، لكنه قبل ذلك يُقام لهؤلاء الأشخاص دعاية مكثفة في وسائل الإعلام التي يسيطر عليها العلمانيون لكي يظهروهم في ثوب العلماء والمفكرين وأصحاب الخبرات الواسعة ، حتى يكون كلامهم مقبولاً لدى قطاع كبير من الناس ، وبذلك يتمكنون من التلبيس على كثير من الناس .
    2- القيام بتربية بعض الناس في محاضن العلمانية في البلاد الغربية ، وإعطائهم ألقابًا علمية مثل درجة ( الدكتوراه ) أو درجة ( الأستاذية ) ، ثم رجوعهم بعد ذلك ليكونوا أساتذة في الجامعات ، ليمارسوا تحريف الدين وتزييفه في نفوس الطبقة المثقفة على أوسع نطاق ، وإذا علمنا أن الطبقة المثقفة من خريجي الجامعات والمعاهد العلمية ، هم في الغالبية الذين بيدهم أزِمَّة الأمور في بلادهم ، علمنا مدى الفساد الذي يحدث من جراء وجود هؤلاء العلمانيين في المعاهد العلمية والجامعات .
    3- تجزئ الدين والإكثار من الكلام والحديث والكتابة عن بعض القضايا الفرعية ، وإشغال الناس بذلك ، والدخول في معارك وهمية حول هذه القضايا مع العلماء وطلاب العلم والدعاة لإشغالهم وصرفهم عن القيام بدورهم في التوجيه ، والتصدي لما هو أهم وأخطر من ذلك بكثير .
    4- تصوير العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله - في كثير من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية - على أنهم طبقة منحرفة خلقيًا ، وأنهم طلاب دنيا من مال ومناصب ونساء حتى لا يستمع الناس إليهم ، ولا يثقوا في كلامهم ، وبذلك تخلو الساحة للعلمانيين في بث دعواهم .
    5- الحديث بكثرة عن المسائل الخلافية ، واختلاف العلماء وتضخيم ذلك الأمر ، حتى يخيل للناس أن الدين كله اختلافات وأنه لا اتفاق على شيء حتى بين العلماء بالدين ، مما يوقع في النفس أن الدين لا شيء فيه يقيني مجزوم به ، وإلا لما وقع هذا الخلاف ، والعلمانيون كثيرًا ما يركزون على هذا الجانب ، ويضخمونه لإحداث ذلك الأثر في نفوس المسلمين ، مما يعني انصراف الناس عن الدين .
    6- إنشاء المدارس والجامعات والمراكز الثقافية الأجنبية ، والتي تكون خاضعة - في حقيقة الأمر - لإشراف الدول العلمانية التي أنشأت هذه المؤسسات في ديار المسلمين ، حيث تعمل جاهدة على توهـين صلة المسلم بدينه إلى أقصى حدٍّ ممكن ، في نفس الوقت الذي تقوم فيه بنشر الفكر العلماني على أوسع نطاق ، وخاصة في الدراسات الاجتماعية ، والفلسفية ، والنفسية .
    7- الاتكاء على بعض القواعد الشرعية والمنضبطة بقواعد وضوابط الشريعة ، الاتكاء عليها بقوة في غير محلها وبغير مراعاة هذه الضوابط ، ومن خلال هذا الاتكاء الضال والمنحرف يحاولون تروج كل قضايا الفكر العلماني أو جُلها .
    فمـن ذلك مثلاً قاعدة ( المصالح المرسلة ) يفهمونها على غير حقيقتها ويطبقونها في غير موضعها ، ويجعلونها حجة في رفض كل ما لا يحبون من شرائع الإسلام ، وإثبات كل ما يرغبون من الأمور التي تقوي العلمانية وترسخ دعائمها في بلاد المسلمين .
    وكذلك قاعدة ( ارتكاب أخف الضررين واحتمال أدنى المفسدتين ) وقاعدة ( الضرورات تبيح المحظورات ) ، ( ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ) ، ( وصلاحية الإسلام لكل زمان ) ، ( واختلاف الفتوى باختلاف الأحوال ) ، يتخذون من هذه القواعد وأشباهها تُكأة في تذويب الإسلام في النحل والملل الأخرى ، وتمييعه في نفوس المسلمين .
    كما يتخذون هذه القواعد أيضًا منطلقًا لنقل كل النظم الاقتصادية ، والسياسية السائدة في عالم الكفار إلى بلاد المسلمين ، من غير أن يتفطن أكثر الناس إلى حقيقة هذه الأمور .
    وفي تصوري أن هذا المسلك من أخطر المسالك وأشدها ضررًا لما فيه من شبهة وتلبيس على الناس أن هذه الأمور إنما هي مرتكزة على قواعد شرعية معترف بها ، وكشف هذا المسلك على وجه التفصيل ومناقشة كثير من هذه الأمور على وجه البسط والتوضيح في حاجة إلى كتابة مستقلة لكشف كل هذه الأمور وتوضيحها وإزالة ما فيها من لبس أو غموض .
    ونحن نحب أن نؤكد هنا أن اعتمادهم على هذه القواعد أو غيرها ليس لإيمانهم بها ، وليس لإيمانهم بعموم وشمول وكمال الدين الذي انبثقت منه هذه القواعد ، وإنما هي عندهم أداة يتوصلون بها إلى تحقيق غاياتهم الضالة المنحرفة .
    13
    واجب المسلمين
    في ظل هذه الأوضاع بالغة السوء التي يعيشها المسلمون ، فإن على المسلمين واجبًا كبيرًا وعظيمًا ألا وهو العمل على تغيير هذا الواقع الأليم الذي يكاد يُحرِّف الأمة كلها بعيدًا عن الإسلام
    والمسلمون جميعهم اليوم مطالبون ببذل كل الجهد : من الوقت والمال والنفس والولد لتحقيق ذلك ، وإن كان العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله وأصحاب القوة والشوكة عليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم ، لأنهم في الحقيقة هم القادة وغيرهم من الناس تبع لهم .
    ولا خروج للمسلمين من هذا الواقع الأليم إلا بالعلم والعمل ، فالعلم الذي لا يتبعه عمل لا يغير من الواقع شيئًا ، والعمل على غير علم وبصيرة يُفسد أكثر مما يُصلح .
    ولا أقصد بالعلم العلم ببعض القضايا الفقهية الفرعية ولا ببعض الآداب ومحاسن العادات ، كما يحرص كثير من الناس على مثل هذه الأمور ، ويضعونها في مرتبة أكبر من مرتبتها في ميزان الإسلام ، ولكني أقصد بالعلم ، العلم الذي يورث إيمانًا صحيحًا صادقًا في القلب ، مؤثرًا حب الله ورسوله ودينه على كل ما سوى ذلك ، وباعثًا على العمل لدين الله والتمكين له في الأرض وإن كلفه ذلك ما كلفه من بذل النفس والنفيس ، ولن يتأتى ذلك إلا بالعلم الصحيح بحقيقة دين الإسلام ، واليقين الكامل التام الشامل بحقيقة التوحيد أساس البنيان في دين الإسلام ، ثم لابد مع ذلك من العلم بالمخاطر التي تتهدد الأمة الإسلامية ، والأعداء الذين يتربصون بها والدعوات الباطلة والهدامة التي يُروَّج لها ، وما يتبع ذلك من تحقيق البراءة من أعداء الدين ، وتحقيق الولاية للمؤمنين الصادقين .
    وإذا كان من الواجب على المسلمين طلب العلم والدأب في تحصيله وسؤال أهل الذكر ، ليكون المرء على بصيرة كاملة ووعي صحيح ، فإن من الواجب على أصحاب القلم - من الكُتَّاب والناشرين - العمل على الإكثار من نشر الكتاب الإسلامي الذي يربط المسلمين بالإسلام كله ، والذي يُعطي كل شرعة من شرائع الإسلام وكل حكم من أحكامه قدره ومنزلته في ميزان الإسلام ، بحيث لا يزيد به عن قدره ولا ينزل به عن مرتبته ، ولا يضخم جانبًا على حساب جوانب أخرى متعددة ، وفي هذا الصدد فإن الكُتَّاب والناشرين مدعُوُّون بقوة إلى الالتزام بذلك ، وخاصة في تلك الظروف العصيبة الحرجة التي تمر بها الأمة الإسلامية ، فلا يليق بهم ولا ينبغي لهم أن يُجَاروا رغبات العوام وغيرهم في الإكثار والتركيز على جانب معين من جوانب الدين مع إهمال جوانب أخرى هي في ميزان الإسلام أجلّ قدرًا وأخطر شأنًا .
    ونحن في هذا الصدد لا نريد أن نقع فيما وقع فيه غيرنا فندعو إلى إهمال الجانب الأقل في ميزان الإسلام لحساب الجانب الأكبر ، ولكنا ندعو إلى التوازن بحيث تكون الكتابات في الجوانب المختلفة متوازنة مع مرتبتها وثقلها في ميزان الإسلام ، فلا يُقبل أن تكون المكتبة الإسلامية مملوءة بالكتابات المختلفة المتنوعة عن الجن ، والسحر ، والشعوذة ، والورع ، والزهد ، والأذكار ، وفضائل الأعمال ، وفروع الفروع الفقهية ، وأشباه ذلك (7) ، بينما نجد المكتبة تكاد تكون خاوية من الكتاب الميسر الصالح للتناول لتناول العام في مجالات بالغة الأهمية .
    مثل : أحكام الفقه السياسي في الإسلام : أو بالتعبير القديم ( الأحكام السلطانية ) .
    ومثل : مناقشة النحل الكثيرة التي بدأت تنتشر في عالم المسلمين ( كالعلمانية ، والديمقراطية ، والقومية ، والاشتراكية ، والأحزاب ذات العقائد الكفرية كحزب البعث ، والأحزاب القومية ، وغير ذلك ) .
    ومثل : الكتابات التي تتحدث عن الجهاد ، لا أقصد الجهاد بمعنى فرضيته ودوامه إلى قيام الساعة ، ولكن أقصد إلى جانب ذلك الكلام عن جهاد المرتدين اليوم في عالم الحكام ، وأصحاب السلطان الذين تبنوا المذاهب الاشتراكية ، والعلمانية ، والقومية ، والديمقراطية ، وغير ذلك ودعوا إليها وألزموا الناس بها .
    ومثل : الحديث عن كيفية العمل لإعادة الخلافة الضائعة ، إلى غير ذلك من المواضيع ذات الأهمية البالغة في حياة المسلمين ، وإذا نظر الإنسان إلى ما كُتب في هذه المواضيع ، وما كُتب في المواضيع الأخرى لهاله التباين الشديد في هذا الأمر ، وإذا نظر أيضًا إلى كمية المباع من ذاك ومن هذا لهاله الأمر أكثر وأكثر .
    قد يقول الكتاب والناشرون :
    إن الناس لديهم عزوف عن قراءة هذه المواضيع ، لكن منذ متى كان لصاحب الرسالة التي يريد لها الذيوع والانتشار أن يطاوع الأهواء والرغبات ، وإذا كان حقًّا ما يُقال عن هذا العزوف ، فأنتم مشتركون بنصيب وافر في ذلك ؛ لأنكم طاوعتموهم على ذلك ، ولم تبصروهم بأهمية 0التوازن وعدم تضخيم جانب وإهمال جوانب أخرى ؛ لأن هذا الأمر سيؤدي بالناس في النهاية إلى حصر الإسلام وتضييق نطاقه في إطار عبادة من العبادات أو أدب من الآداب أو عادة من العادات ، بل قد انحصر الإسلام فعلاً عند كثير من الناس في أداء الصلاة ، وصيام رمضان ، وبعضهم انحصر الإسلام عنده في مجموعة من الأذكار ، وبعضهم انحصر الإسلام عنده في حسن الخلق ، وبعضهم انحصر الإسلام عنده في هيئة أو زي أو لباس ، وبعضهم انحصر الإسلام عنده في العلم ببعض فروع الفقه ، أو العلم ببعض قضايا مصطلح الحديث ، وهكذا .
    فإذا خاطبت الكثير منهم عن عموم الإسلام وشموله وحدثتهم عن بعض القضايا الهامة والملحة والمنبثقة من توحيد الله والإيمان باليوم الآخر مثل الحديث عن الحكم بما أنزل الله ، والالتزام بشرعه ووجوب السعي لإقامة دولة الإسلام وإعادة الخلافة ، وبيان بطلان المذاهب الكفرية كالعلمانية ، والديمقراطية ، وغير ذلك ، ظنوك تتحدث عن دين غير دين الإسلام ، وقالوا : هذا اشتغال بالسياسة ، ولا يجوز إدخال الدين في السياسة .
    ومثل هؤلاء لو تأكد عليهم الكلام في مثل هذه القضايا في خطب الجمعة ، وفي دروس وحلقات العلم في المساجد ، وفي الكتابات الميسرة التي يمكنهم قراءتها وفهمها بيسر ، لم يصدر عنهم مثل هذا الكلام الضال المنحرف .
    ونحن يجب علينا كتابًا وناشرين ألا نشارك في تزييف الدين وتجزئته عن طريق عرضه عرضًا ناقصًا مقصورًا على جانب من جوانبه استجابة لرغبة القراء ، ولحركة البيع والشراء ، فنكون بذلك محققين لهدف كبير من أهداف العلمانية في تضييق نطاق الدين وعزله عن الحياة .
    وقد يقول الكتاب والناشرون : نحن لا نكتب في هذه الأمور لأنها مسائل كبيرة والخطأ فيها ليس بالهين ، وهي تحتاج إلى علم كثير هو ليس في وسعنا ، وأنا معهم في هذا القول في أن كثيرين ممن يكتب هذه الأيام لا يصلح للكتابة في هذه الأمور .. إما لعدم فقههم لهذه الأمور ، وإما لأن فقههم لها قاصر ومبتور ، وإذا كان ذلك صحيحًا - وهو صحيح - في حق كثيرين ، فأين العلماء الكبار ، وأين الشيوخ الأجلاء ، وإذا لم يكن هذا هو دورهم ومهمتهم ، فما هو دورهم إذن في العمل على تغيير هذا الواقع الأليم ؟!

    16
    وفي إطار الحديث عن العلم ونشره فإن فئة المعلمين من المدرسين والأساتذة من أدنى مراحل التعليم إلى أعلاها عليهم واجب من أهم الواجبات العامة في حقهم وآكدها وهذا الواجب يتمثل في 1- العمل على أسلمة المناهج بحيث تصب كل المناهج العلمية في إطار خدمة الإسلام ، وبحيث لا يكون الهدف العلمي البحت ، هو الهدف الوحيد من تدريس هذا العلم ، ونظرًا لأن ديننا من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأن المكتشفات العلمية هي من خلق الله فلا تعارض إذن ولا تناقض بين العلم والدين ، وبالتالي فإن كثيرًا من الحقائق العلمية يمكن استخدامها كأدلة في مجال الإيمان ، وكثير من القوانين العلمية يمكن استخدامها كردود أو إبطال لنظريات إلحادية من وجهة نظر العلم التجريبي الذي يؤمن به الملحدون ولا يعولون على غيره ، وعلى ذلك فإن المناهج العلمية الموضوعة للتلاميذ والطلاب لابد أن يراعى فيها ذلك ، ولابد من توضيح ذلك الأمر بأوضح بيان ، ولا يكفي فيه الإشارة والتلميح ، وهذا الأمر واجب أكيد في حق أولئك الذين يضعون هذه المناهج ويقررون تدريسها .
    2- تنقية المواد العلمية من الكفريات والضلالات المدسوسة بها ، فقد يحدث أن يضع هذه المواد ومناهجها أناس غرباء على الدين ، فالواجب على المدرس المسلم ألا يقوم بتدريس المادة العلمية كما هي ، بل لا يحق له ذلك ، وينبغي عليه كشف هذه الضلالات للطلاب وتحذيرهم منها ، وبيان الصواب فيها ، فلا يكتفي المعلم بدوره كمعلم للمادة فقط ، بل يربط هذه العلوم بالإسلام وينقيها مما فيها من الشوائب ويكون في الوقت نفسه داعية وواعظًا ومرشدًا إلى جانب كونه معلمًا ومثقفًا .
    3- أن ينتهز المعلم الفرصة كلما سنحت له لتوضيح مفهوم من مفاهيم الإسلام ، أو لتثبيت عقيدة من العقائد أو لبيان قضية من قضايا المسلمين أو لتعليم أدب من آداب الإسلام ، وهكذا .
    وكل هذه الأمور يستتبع بالضرورة تحقيقها أن يرتفع المعلمون بمستواهم العلمي والشرعي في كثير من الأمور حتى يكونوا أكفاء لهذه المهمة النبيلة التي شرفهم الله بحملها .

    17

    الخاتمة
    وفي ختام هذا البحث نأتي إلى العمل بعد العلم ، ولست أقصد بالعمل ذلك العمل الذي يعود نفعه وخيره على شخص العامل وحده ، فهذا مطلوب ، ولكن أين العمل الذي يعود نفعه وخيره على الأمة الإسلامية بالإضافة إلى شخص العامل ؟
    إنه مما يجب علينا أن نعتقد الحق ونعمل به في خاصة أنفسنا ، ومن نعول ، ثم لا نكتفي بذلك حتى ندعو الناس غيرنا ونبصرهم بحقيقة هذا الدين ، وبتكالب الأعداء علينا من داخلنا وخارجنا ، وبحجم المأساة التي تعيشها الأمة الإسلامية ، ولا يصدنا عن القيام بهذا الدور ما نلقى من عنت ومشقة ومن صدود من جانب الناس ، ومن تضييق وحرب من جانب الحكام أذناب العلمانية وعملائها .
    لابد إذن من العمل بهذا الدين ولهذا الدين ، ولابد من جمع الناس على ما يحبه الله ورسوله من الاعتقادات ، والأقوال ، والأفعال ، ولابد من تحمل التبعات في سبيل ذلك ، ولابد أيضًا من الجهاد في سبيل الله ، وإعلان الحرب على كل محارب لله ورسوله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .
    ولا أحسب أني بذلك قد تحدثت عن واجب المسلمين كما ينبغي ، ولكن يكفي أن تكون تذكرة لنا جميعًا ، لعل الله ينفعنا بها .. اللهم آمين .



    18
    المراجع
    1 ـ عبد الوهاب المسيري ــ مقال العلمانية مفلهيم ومصطلحات ــ موقع اسلام اون لاين ــ انترنت
    2 ـ كمال حبيب نركيا 77 عاما من العلمانية
    3ـ من كتاب : الموجود في الاديان والمذاهب لفضيلة الشيخين /
    ناصر القفاري وناصر العقل




  7. #7
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    صراع الحضارات
    الحضارة هي مجموعة المفاهيم عن الحياة لكنها ليست مفاهيم ساكنة وإنما هي مؤثرة تشكل الحياة من حيث السلوك ومن حيث التسخير ومن الطبيعي أن ترث أو تتجاور مع حضارات أخرى لها مفاهيمها ولها حركتها والسؤال ما هي العلاقة بين الحضارات المتزامنة والتاريخية ؟ ما من حضارة موجودة إلاَّ ولها جذر حضاري تاريخي ، وما يجب أنْ يهتم به المفكرون معرفة أصول وجذور الحضارة الغربية إذ أخذت تسعى جاهدة للعولمة باعتبار حتميتها ومن هنا تبرز خطورتها واضحة للعيان وقد ظهرت توجهات متعددة حول العلاقة مع هذه الحضارة فالبعض يرى قبولها مطلقا وآخرون قبولها مع التحفظ وجمع ثالث يصم أذنيه ويغلق عينيه عنها وجمع يرى الحوار معها ( حوار الحضارات ) والحق أن يجري الصراع معها وهذا يعني قراءة الحضارة الغربية قراءة نقدية وكشف تهاوي الأسس التي قامت عليها وفساد نظرتها ومظالمها ومخازيها والانتفاع بها دون الانبهار بها أي إعادة تشكيل معطياتها النافعة من مكتشفات علمية وأساليب يحث ووسائل إدارية والدخول معها في صراع فكري ومناورات سياسية لزحزحتها عن قيادة العالم وجعل السياسات تجري وفق وجهة النظر الإسلامية وهذا يعني إعادة إنتاجها وليس أسلمة معرفتها من هنا جاءت هذه المحاضرة لتضع النقاط على الحروف . المفكرون العرب مهتمون بكثير من القضايا مثل : القومية ، الاشتراكية ، التنمية ، التقدم ، التراث والمعاصرة ، الديمقراطية ، التعددية ، حقوق الإنسان ، المرأة ، دولة المؤسسات والقانون ، المجتمع المدني ، الإسلام السياسي والأصولية ، التنوير ، الخصوصية ، الثوابت والمتغيرات ، الثورة ، الشمولية ، وقد انشغل بهذه القضايا المفكرون والمثقفون والباحثون ضمن الندوات والمؤتمرات والمحاضرات والكتابة في الدوريات والمجلات والصحف ونشر الكتب والحديث في وسائل الأعلام المتاحة رغم كل هذه الأنشطة وتعدد النشطاء الباحثين هذه المواضيع إلاَّ أنها لم تحدث الانقلاب الفكري المنشود وبقيت هذه الأبحاث تراوح مكانها دون أي مؤشر للخروج من التيه .



    يروج بعض الناس الآن لمقولات : إن الحضارات تأخذ من بعضها ، وما وصلت إليه الإنسانية الآن في مضمار التقدم ، إلا بفضل التراكم المعرفي ، الذي يتحول بالضرورة ، إلى إنجاز تقدمي علمي ، يجعل الإنسان في محل القدرة على السيطرة على الطبيعة 0

    بينما يدعي البعض الآخر ، أن الحضارة الغربية تمثل أرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني ، في كل مجالات الحياة ، أي أن التقدم والرقي لم يكن حصراً ، على مجال علوم الطبيعة والتقنيات ولهذا فليس أمام شعوب العالم إلاَّ الأخذ بها ، والسير على طريقها 0

    تُشَكِّلُ هاتان المقدمتان ماهية الأساس الذي ارتكز إليه دعاة التغريب ـ وهم كُثْرٌ ـ إذ وقد شاهدوا وهج التقنيات الغربية وقفوا مشدوهين حيالها ، وصاروا ينادون علناً بالتبعية لها وتعتبر هذه المناداة أهمَّ اختراقٍ للفكر بشكل عام ، وإعلان الغزل بإفرازات الحضارة الغربية 0

    لم يكن هذا الموقف الإختراقي تحصيل حاصلٍ ، نتج عن دراسات واجتهادات في تراث الأمة ومعطيات الحضارة الغربية ، بل يعود السبب الرئيسي لهذا الموقف إلى اتخاذ الغرب سياسة السيطرة الشاملة على نواظم حياة الأمة ، وجعلها في محل التبعية له ، من أحوال عسكرية أو سياسية أو اقتصادية ، ولم يكتف بذلك [ أي لم يكتف بالسيطرة الاستعمارية فقط] بل عمد إلى العمل المنظم والمستمر ، للسيطرة الحضارية بمفهوميها : العقلي [ وجهة النظر] والثقافي [ مفاهيم الحياة ] 0

    لقد أدرك الغربيون الغازون من سياسيين ومفكرين ومنظرين وموجهين [ خبراء ] ضرورة إحكام القبضة الغربية على هذه الأمة الإسلامية الخيرة عرباً وعجماً وهذا يتطلب أبعد من السيطرة الاستعمارية التقليدية فلا بد من تحطيم المكونات الإيمانية والفكرية والحضارية والثقافية والأنماط المعيشية والإنتاجية لبلدان العالم الإسلامي كله واضعاً بديلاً عن هذه المكوِّنات [ البديل هو مُكَوِّنات الحضارة الغربية] 0

    لقد قام الاستعمار الغربي بالعمل على تركيز استعماره فقط في العالم (غير الإسلامي) كالهند والصين والهند الصينية واليابان وكوريا وجنوب القارة الإفريقية (أي الدول ذات الحضارات الخاملة) وهي حضارات تفتقد القدرة على الانبعاث وإنما هي مجرد تراث روحي أخلاقي ، لكنه قام بعملية مزدوجة في العالم الإسلامي إذ عمل فوق تركيز استعماره على قلب القناعات والمفاهيم والمعايير والموازين رأساً على عقب محولا عقل الشعوب المتواجدة في ساحة العالم الإسلامي إلى النظر إلى الغرب باعتباره مركز العالم ومكان إشعاع الحضارة المتقدمة الممثلة لأرقى أشكال التطور وصار النظر إلى الإسلام وتراثه والنمط الحياتي لمجتمعات بلدان العالم الإسلامي كعناوين للتخلف والجمود والهمجية والبربرية وهذا ما يدركه كل من يتعامل أو يستمع لرؤية المنبهرين بالحضارة الغربية ومنجزاتها التقنية 0

    زبادة في التضليل عهد الغرب إلى تشجيع نمطين من أنماط الفكر الإسلامي : نمط التدين الأصولي ، الذي يركز على العبادات و الهيئات و اللباس و الناحية الشكلية في الإسلام و بناء المعتقدات الخرافية الأسطورية المبنية على الملاحم و الفتن و علامات الساعة و ما يجري للإنسان في القبر قبل البعث ونمط الاجتهادات التحريفية باسم العقلانية والتنوير القابلة للتشكل والتوافق مع مفاهيم ومعايير وموازين الحضارة الغربية من خلال الاتكاء على هذا التراث أو ذاك 0

    النمط الأول : نمط ترك الحياة أي ترك الحضارة الإسلامية والنمط الثاني : جعل الحياة قي التبعية للغرب وكردة فعل على هذين النمطين تَوَلَّدَ نمط ثالث أخذ يشكِّل الإسلام على هواه وهو نمط لايشكل تياراً إذ هو مجرد حالات فردية متعاظمة الذات محدثةً بلبلة في المجتمع فكانت ضِغْثاً على إبالة واشغلت المجتمع بجعجعةٍ دون طحن 0

    سعى الغرب الحاقد على الأمة الإسلامية إثر انتصاره في الحرب العالمية الأولى على الدولة العثمانية بصفتها الأم الجامعة ـ على ما فيها من هزال وتقصير وظلم وانحراف وتخلف ـ إلى تركيز التبعية الأبدية على العالم الإسلامي له لقد وضع الغرب خطوطا ثلاثة هي الهيمنة والتجزئة وتمييع الهوية السياسية الحضارية للأمة ولكي لا تنفلت الأمور عليه زرع كيانا غريبا في قلب العالم العربي أي في قلب العالم الإسلامي هذا الكيان هو الكيان اليهودي أو إسرائيل أو الصهيونية وهو كيان يعتمد في استمرار بقائه على السند الغربي فالكيان اليهودي مجرد قطعة لحم كلب ميت زرعت في إنسان سوي هيهات أن يعيش بالرغم من استمرار إمداده بأسباب الحياة فالكيان السوي من خلال عمل الأمة الدائب لا الانتظار ، لا بد أن يلفظ الكيان الغريب لفظ النواة 0

    أدار السياسيون والفصائليون العرب ومجموع الشعب في فلسطين صراعاً مستمراً مع الكيان اليهودي وهو مجرد مشروع وبعد تحوله إلى دولة لم يتح لهذا الصراع التقدم خطوة واحدة إلى الأمام وحل بدلا عن الصراع التراجع النضالي سواء في الأهداف أو الواقع المنظور فوجدت جراء ذلك حالة من الإحباط واليأس وظهر بسبب ذلك على المستوى السياسي الرسمي العربي والإسلامي وعلى بعض النخب الفكرية بل وعلى المستوى الشعبي مقالة أو دعوة للمصالحة والتعايش مع الكيان المزروع 0

    لم يدرك السياسيون والفصائليون حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي من كونه صراعاً متولداً عن قضية كبرى هي القضية الإسلامية الحضارية وكان يجب أن يتوجه للعدو الرئيسي أي إلى الغرب بوصفه العدو الحضاري وإلى إسرائيل بصفتها أداة هذا العدو إذ هذا هو التوجه الذي يؤدي إلى نتائج وبالتالي يمنع تشظي الوعي وتعدد التوجهات وتشرذم العمل 0

    وقعت الحركة الإسلامية الأصولية بشقيها السلفي والدعوي أسيرة دعاية غربية ـ أثناء صراع المبدأين الرأسمالي والشيوعي ـ إذ تشكَّل الذهن الأصولي على أساس النظر للغرب بأنه من معسكر الإيمان وأن المعسكر الشيوعي هو معسكر الإلحاد ولذلك توجه الفعل الوعظي والدعوي والنضالي والجهادى نحو المعسكر الشيوعي الملحد ! على اعتبار أنه الأكثر خطرا على الدين ولم يلفت انتباههم الغزو الحضاري الغربي ومارسوا السكوت بل والموالاة للغرب وحضارته واستعماره وبنوا علاقتهم مع الأنظمة المحلية على أساس هذا التقسيم وما موقف الإسلاميين في أفغانستان عن المجتمع ببعيد ! 0

    ظهرت الصحوة الإسلامية سنة 73 م بعد حرب رمضان على الجبهة المصرية والسورية وتعلق الرأي فيها منتظراً نصراً حاسماً وارتفعت وتيرتها شدة بزوال نظام الشاه وتسلم الآيات الحكم وتعلقت مشاعر الجماهير بحديث الرايات السود تأتي من المشرق لكن السلفية مع أنها تعتمد الحديث رأت في نظام الآيات انتصارا للمجوسية فوضعت عشرات الكتب ضد الشيعة والفرس والمجوس وفي انكشاف أنَّ الشيعة والسلفية لم تقدما للإسلام و المسلمين خيرا بل كان الأمر عكس ذلك تماما بدأت تظهر في الأفق كردة فعل معاكس حـركة ثـورية أصولية تعتمد على العمل المادي و تباشر القتل غير المنظم والتفجير و الاغتيال و اتهموا بقتل الأبرياء فاتهم الإسلام كله بالتطرف و هوجم الإسلام بديلا عن الهجوم على أسباب ردة الفعل هذه و من المعلوم ان أسباب ردة الفعل لم تكن إنشاء للحركة الإسلامية بل استدرجت اليها الحركات الإسلامية بسبب شدة المعاناة المفروضة عليها 0

    ليس المراد من هذا القول تبرئة الحركة الإسلامية من القصور الظاهر في وعيها فهي دائما في محل الاستدراج بديلا عن إنشاء الفعل ومباشرته من خلال الوعي المُعَيِّن لغايته وهدفه 0

    تلك هي الأجواء التي تحركت فيها الدعوة لحوار الحضارات الولايات المتحدة تنفرد بقيادة العالم القطب الثاني فقد قدرته الشركاء الغربيون المنافسون رضوا بشراكة ثانوية ولهذا فرضت الولايات نفسها على العالم بطريقة بربرية متحكمة بأوضاع العالم الاقتصادية يعلن مؤرخ أمريكي من أصل ياباني مهاجر نهاية التاريخ وخاتم البشر وينام العالم الثالث ويصحوا على حلم وخيال باقتصاد مريح وغياب لمشاكل الاقتصاد والعيش دون أزمات سياسية خطرة أو غير خطرة 0

    تقدم الولايات المتحدة وصفتها للعالم الثالث للحصول على عونها هي وشركائها وتتمثل هذه الوصفة بما يلي :

    1. إقامة نظام حكم ديمقراطي ، يعتمد التعددية ، ويقيم دولة المؤسسات والقانون يخلو من الاستبداد ويعتمد الانتخابات الحرة على زعم أنها تمثيل لإرادة الشعب 0

    2. تطبيق سياسة اقتصادية ليبرالية ، مرتكزها الخصخصة ، أي اعتماد القطاع الخاص 0

    3. الالتزام بحقوق الإنسان محددة بوجهة النظر الغربية المؤسسة على الحريات الأربع 0

    تلك هي الأسس التي قام عليها مشروع حوار الحضارات ، وهو مشروع يهدف إلى استبدال الصراع بالحوار بين حضارة مهيمنة ومسيطرة ومتقدمة وحضارة كانت وهي الآن ليست شيئا مذكورا ، إنَّ المراد من حوار الحضارات هو بقاء سيطرة الحضارة المهيمنة ومداعبة غفلة أصحاب الحضارة الثانية بتقدير لا معنى له وإبقاء ما سموه بالخصوصية الحضارية متجسداً بالفلكلور والتدين الكسيح وبعض القيم غير المهمة في التغيير 0

    يؤدي قبول الحضارة الغربية إلى ظهور حالة الاستلاب فالإنسان حرٌ ظاهرا مستلبٌ حقيقةً هو مجرد حر شكلاً ولكنه أكثر الناس عبودية ويتحول الاقتصاد من أداة في خدمة الحاجات الأساسية إلى أداة في الاستثمار والتنمية من جراء تطبيق السياسة الاقتصادية اللبرالية ويطلق الإنسان عنان شهوتي البطن والفرج إذا أتاح اقتصاده ذلك له : قالوا سنهربُ ثم لاذوا بالقبور من القبور !

    هذه هي صورة الأوضاع التي بدأت تتضح منذ الآن فهل هذه الصورة هي المرجوة للحاضر والمستقبل ؟ لماذا يصر الماديون العِلْمَانيون ودعاة الحريات اللبرالية ( العَلْمانيون ) ؟ ـ على ضرورة تشويه صورة الأمة في : إيمانها ، وأفكارها ، وتاريخها ـ والدعوة لاستبدال صورة الماضي مع القدرة على عودة الحركة إليه ، وذلك بقبول الاستكانة والخضوع لأشرس عدو ، لهذه الأمة العريقة .

    إنَّ عدو أمتنا الشرس الهمجي هو العدو الغربي وهو عدو لها منذ أمد طويل يمكن القول أنَّ عداوته لهذه الأمة الخيرة ضاربة في عمق التاريخ حتى أنه عاداها أثناء فترة الجاهلية وما أنْ بزغت شمس الإسلام حتى زاد غيظه على هذه الأمة وإذ استسلم بادئ الأمر أمام قوة الإسلام لكنه اهتبل أول فرصة سنحت له فجاء بقضه وقضيضه فكانت الحرب الصليبية التي دامت قرنين من الزمان ولا زال الغرب يمارس عقلية الحرب الصليبية على هذه الأمة والكيان اليهودي المزروع هو واحدة من مفردات هذه السياسة .

    على ضوء ما سبق يمكن ملاحظة النقاط التالية : ـ

    ¨ الولايات المتحدة والغرب كله سواء كان رأسماليا أو اشتراكيا عدو للأمة الإسلامية ويعمل جاهداً على منع نهوضها وإعادة ديناميكية حضارتها .

    ¨ تشكيل العالم الإسلامي من حيث الجغرافيا السياسية وفق مخطط يحول دون انعتاق هذه الأمة من هيمنة الغرب والعمل على تخليد تجزئتها وتمييع هويتها .

    ¨ سيطر على حكام العالم الإسلامي رعب قاتل من ساسة الغرب لارتباطهم أثناء الفترة الاستعمارية وجودا وعدما بالغرب فساروا بالسياسات وفق توجيه الغرب فساسة العالم الإسلامي ليسوا أصحاب أفكار في الحكم لارتباطهم وتبعيتهم للغرب وجل اعتمادهم على التأثير الغربي بالسياسات .

    ¨ بديلاً من خوف الحكام على الأمة من عدوها ـ إذ هم واقعون تحت تأثيره ـ خافوا من الأمة وأصابهم التوجس منها فتفننوا بإيجاد أجهزة القمع فما من نظام قائم في العالم الإسلامي يخلوا من عشرة أجهزة من أجهزة القمع تختلف الأسماء ولكنها كلها لمهمة واحدة هي الحفاظ على أمن الحكام ورجال الدولة وليسوا للحفاظ على حماية الأمة من تسلط عدوها عليها .

    ¨ سيطر على الجماهير الفكر السطحي وسيطر على النخب فكر فج ذاتي فردي ومن هنا تشرذمت النخب وبزغت ظواهر فردية تسعى لمجد ذاتها وتشكلت أحزاب ومنتديات وجمعيات غايتها التعبير عن الشللية وليس عن مشروع للنهوض .

    ¨ وقعت النخب التغريبية تحت سيطرة التبعية للغرب في التفكير والتوجه بسبب انفعالهم في صورة الغرب المتقدم في الصناعة والتقانة ( التقدم التكنولوجي ) ومستوى دخل الفرد ، حدث من جراء ذلك انبهار شديد بالغرب ، والمراد بنخب التغريب ما يلي ( 1 ) اللبراليون الديمقراطيون العَلْمانيون (2 ) الماديـون الاشتراكيـون العِلْمانيـون ( اليسار ) ( 3 ) أغلبية الأكاديميين والأدباء والإعلاميين ( 4 ) بعض من الناس العاديين بسبب سيطرة الغرب على التدفق الإعلامي مما مكن الغرب التلاعب بعقولهم .

    ¨ تقدم هذه الزمر خاصة الثلاثة الأولى أقوالها الداعية إلى التغريب عند مواجهتها بالإسلام إلى وصف موقفهم بالعقلاني ويزيفون الدعوى بأنهم أهل العقل ـ دون تحرير معنى العقل والشروط التي يعقل بها الإنسان ويصفون الإسلام بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأنه في محل المواجهة أو التعارض مع العقل أو الإدعاء بأنَّ المعرفة الإسلامية غير مؤسسة على العقل وهكذا يوصف الإسلام بأنه في جهة مضادة تماماً للعقل .

    ¨ إنَّ قبول هذا الأساس ، أي التضاد بين الإسلام والعقل ، في معركة الإسلام مع العقل يعني حسم المعركة قبل بدايتها ، لصالح دعاة التغريب ، والأصل رفض هذا القول .

    ¨ معركة العقل والإسلام : كجهتين متضادتين ، غير مقبولة أبداً ، وجعل الإسلام في حالة مساواة مع الدينين : اليهودية ، والنصرانية ، اعتداء على الحق فالعقل حجة بذاته عند أكثرية المناهج الإسلامية ، وهو الحجة الأساسية عند العدليين ، فلا تضاد بين العقل والإسلام .

    ¨ العقل ليس منهجا واحدا عند البشرية والمناهج العقلية الغربية متعددة من عقل مادي إلى عقل تجريبي إلى عقل وجودي ملحد فالوضعي فالوجودي المؤمن فالمثالي وغير ذلك من مناهج ومسالك يسلكها العقل للحصول على المعرفة ؟ فأي منهج هو الحق ؟ وأي منهج هو الباطل ؟ لا بد من معيار متفق عليه يُعرف به الحق من الباطل ! .

    ¨ طريقة الإسلام لمعرفة الحق من الباطل هي الطريقة العقلية مباشرة بقضايا الإيمان المستدل عليها من عالم الشهادة أو من الخبر الذي أثبت العقل صدقه .

    ¨ لما سبق بيانه لا بد من تعريف العقل ومعرفة مناهجه للوصول إلى الحقائق .

    يدرك القارئ لهذه الصورة الموجزة التي رصدت الأفكار والتوجهات المتواجدة قي العالم الإسلامي مقدار الخطر الداهم الذي يستهدف هذه الأمة في إيمانها ودينها وقيمها وخيريتها وقيمها بل وفي حياتها السياسية بحيث تمنع من وحدتها وتحرر القرار السياسي وتحديد هويتها الحضارية وهي ممنوعة من الإنجاز الحضاري والعلمي على السواء .

    ¨ لا يمكن الاعتماد على الغرب والتغريبيين أو الحكام أو الحركات الإسلامية أو الحركات الأخرى للسير بمشروع النهوض الحضاري لهذه الأمة إذ لا بد من التسليم بفشل جميع محاولات النهوض السابقة فمن الضروري بناء النهضة بإعادة بناء العقل الإسلامي على فكر أهل التوحيد والعدل وبدون ذلك هو الدوران بالحلقة المفرغة .

    للخروج من التيه لا بد من بعث ديناميكية الحضارة الإسلامية التي تعطلت منذ بداية القرن الخامس الهجري القرن الحادي عشر الميلادي بصدور الوثيقة القادرية والتي نصت على منع التفكير وتعطيل الاجتهاد وإعمال السيف في رقاب المعتزلة ونتج عن تصفية المعتزلة هبوط التفكير فلا بد من عودة إلى نقطة الخلل وإصلاحها والسير قدما بمعرفة الواعين وبعزيمة المؤمنين وتقوى العاملين ودأب المخلصين .

    يكمن الداء والدواء معاً في الأمة الإسلامية ويدرك ذلك الغرب الحاقد فيخشاها ويعمد إلى مراقبتها ويعمل على إعاقة نهوضها ويصل به الأمر إلى حد التلاعب بعقول من يحسبون عليها وما هم منها فتبين معالم الدرب هي نصف الدرب وها هو الدرب قد اتضح فتعالوا لنسير معاً رافضين الغرب والولايات المتحدة ورأس حربتهما إسرائيل .




  8. #8
    عضو مسجل في شبكة مدارس الإمارات الصورة الرمزية لطيفة البلوشي
    تاريخ التسجيل
    16 / 10 / 2007
    الدولة
    دبى
    المشاركات
    252
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 0 Times in 0 Posts
    معدل تقييم المستوى
    8
    [IMG][/IMG]
    [flash=[flash="http://www.motfaelat.com/mo/upload/motfaelat-1233064154.swf"]width=495 height=370[/flash]]WIDTH=400 HEIGHT=350[/flash]

  9. #9
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    أنواع الحضارة الإسلامية



    مفهوم الحضارة:
    الحضارة هي الجهد الذي يُقدَّم لخدمة الإنسان في كل نواحي حياته، أو هي التقدم في المدنية والثقافة معًا، فالثقافة هي التقدم في الأفكار النظرية مثل القانون والسياسة والاجتماع والأخلاق وغيرها، وبالتالى يستطيع الإنسان أن يفكر تفكيرًا سليمًا، أما المدنية فهي التقدم والرقى في العلوم التي تقوم على التجربة والملاحظة مثل الطب والهندسة والزراعة، وغيرها.. وقد سميت بالمدنيَّة؛ لأنها ترتبط بالمدينة، وتحقق استقرار الناس فيها عن طريق امتلاك وسائل هذا الاستقرار، فالمدنية تهدف إلى سيطرة الإنسان على الكون من حوله، وإخضاع ظروف البيئة للإنسان.
    ولابد للإنسان من الثقافة والمدنية معًا؛ لكي يستقيم فكر الأفراد وسلوكياتهم، وتتحسن حياتهم، لذلك فإن الدولة التي تهتم بالتقدم المادي على حساب التقدم في مجال القيم والأخلاق، دولة مدنيَّة، وليست متحضرة؛ ومن هنا فإن تقدم الدول الغربية في العصر الحديث يعد مدنية وليس حضارة؛ لأن الغرب اهتم بالتقدم المادي على حساب القيم والمبادئ والأخلاق، أما الإسلام الذي كرَّم الإنسان وأعلى من شأنه، فقد جاء بحضارة سامية، تسهم في تيسير حياة الإنسان.
    مفهوم الحضارة الإسلامية:
    الحضارة الإسلامية هي ما قدمه الإسلام للمجتمع البشرى من قيم ومبادئ، وقواعد ترفع من شأنه، وتمكنه من التقدم في الجانب المادي وتيسِّر الحياة للإنسان.
    أهمية الحضارة الإسلامية:
    الفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإذا صلح صلح المجتمع كله، وأصبح قادرًا على أن يحمل مشعل الحضارة، ويبلغها للعالمين، ومن أجل ذلك جاء الإسلام بتعاليم ومبادئ تُصْلِح هذا الفرد، وتجعل حياته هادئة مستقرة، وأعطاه من المبادئ ما يصلح كيانه وروحه وعقله وجسده.
    وبعد إصلاح الفرد يتوجه الإسلام بالخطاب إلى المجتمع الذي يتكون من الأفراد، ويحثهم على الترابط والتعاون والبر والتقوى، وعلى كل خير؛ لتعمير هذه الأرض، واستخراج ما بها من خيرات، وتسخيرها لخدمة الإنسان وسعادته، وقد كان آباؤنا على قدر المسئولية، فحملوا هذه الحضارة، وانطلقوا بها يعلِّمون العالم كله ويوجهونه.
    أنواع الحضارة الإسلامية:
    وللحضارة الإسلامية، ثلاثة أنواع:
    1- حضارة التاريخ (حضارة الدول):
    وهي الحضارة التي قدمتها دولة من الدول الإسلامية لرفع شأن الإنسان وخدمته، وعند الحديث عن حضارة الدول ينبغى أن نتحدث عن تاريخ الدولة التي قدمت هذه الحضارة، وعن ميادين حضارتها، مثل: الزراعة، والصناعة، والتعليم، وعلاقة هذه الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، وما قدمته من إنجازات في هذا الميدان.
    2-الحضارة الإسلامية الأصيلة:
    وهي الحضارة التي جاء بها الإسلام لخدمة البشرية كلها، وتشمل ما جاء به الإسلام من تعاليم في مجال: العقيدة، والسياسة، والاقتصاد، والقضاء، والتربية، وغير ذلك من أمور الحياة التي تسعد الإنسان وتيسر أموره.
    3- الحضارة المقتبسة:
    وتسمى حضارة البعث والإحياء، وهذه الحضارة كانت خدمة من المسلمين للبشرية كلها، فقد كانت هناك حضارات وعلوم ماتت، فأحياها المسلمون وطوروها، وصبغوها بالجانب الأخلاقي الذي استمدوه من الإسلام، وقد جعل هذا الأمر كُتاب العالم الغربى يقولون: إن الحضارة الإسلامية مقتبسة من الحضارات القديمة، وهما حضارتا اليونان والرومان، وأن العقلية العربية قدْ بدَّلت الصورة الظاهرة لكل هذه الحضارات وركبتها في أسلوب جديد، مما جعلها تظهر بصورة مستقلة.
    وهذه فكرة خاطئة لا أساس لها من الصحة، فالحضارة الإسلامية في ذاتها وجوهرها إسلامية خالصة، وهي تختلف عن غيرها من الحضارات اختلافًا كبيرًا، إنها حضارة قائمة بذاتها، لأنها تنبعث من العقيدة الإسلامية، وتستهدف تحقيق الغاية الإسلامية، ألا وهي إعمار الكون بشريعة الله لنيل رضاه، لا مجرد تحقيق التقدم المادي، ولو كان ذلك على حساب الإنسان والدين كما هو الحال في حضارات أخرى، مع الحرص على التقدم المادي؛ لما فيه من مصلحة الأفراد والمجتمع الإنساني كله.
    أما ما استفادته من الحضارات الأخرى فقد كان ميزة تحسب لها لا عليها، إذ تعنى تفتح العقل المسلم واستعداده لتقبُّل ما لدى الآخرين، ولكن وضعه فيما يتناسب والنظام الإسلامي الخاص بشكل متكامل، ولا ينقص من الحضارة الإسلامية استفادتها من الحضارات السابقة، فالتقدم والتطور يبدأ بآخر ما وصل إليه الآخرون، ثم تضيف الحضارة الجديدة لتكمل ما بدأته الحضارات الأخرى.




  10. #10
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    خصائص الحضارة الإسلامية ومظاهرها






    خصائص الحضارة الإسلامية للحضارة الإسلامية أسس قامت عليها، وخصائص تميزت بها عن الحضارات الأخرى، أهمها:
    1- العقيدة:
    جاء الإسلام بعقيدة التوحيد التي تُفرِد الله سبحانه بالعبادة والطاعة، وحرص على تثبيت تلك العقيدة وتأكيدها، وبهذا نفى كل تحريف سابق لتلك الحقيقة الأزلية، قال الله تعالى: {قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوًا أحد} [الإخلاص: 1-4].
    فأنهي الإسلام بذلك الجدل الدائر حول وحدانية الله تعالى، وناقش افتراءات اليهود والنصارى، وردَّ عليها؛ في مثل قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}
    [التوبة: 30-31].
    وقطع القرآن الطريق بالحجة والمنطق على كل من جعل مع الله إلهًا آخر، قال الله تعالى: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون. لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون} [الأنبياء: 21-22].
    2- شمولية الإسلام وعالميته:
    الإسلام دين شامل، وقد ظهرت هذه الشمولية واضحة جليَّة في عطاء الإسلام الحضاري، فهو يشمل كل جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية، كما أن الإسلام يشمل كل متطلبات الإنسان الروحية والعقلية والبدنية، فالحضارة الإسلامية تشمل الأرض ومن عليها إلى يوم القيامة؛ لأنها حضارة القرآن الذي تعهَّد الله بحفظه إلى يوم القيامة، وليست جامدة متحجرة، وترعى كل فكرة
    أو وسيلة تساعد على النهوض بالبشر، وتيسر لهم أمور حياتهم، ما دامت تلك الوسيلة لا تخالف قواعد الإسلام وأسسه التي قام عليها، فهي حضارة ذات أسس ثابتة، مع مرونة توافق طبيعة كل عصر، من حيث تنفيذ هذه الأسس بما يحقق النفع للناس.
    3- الحث على العلم:
    حثت الحضارة الإسلامية على العلم، وشجَّع القرآن الكريم والسنة النبوية على طلب العلم، ففرق الإسلام بين أمة تقدمت علميًّا، وأمة لم تأخذ نصيبها من العلم، فقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]. وبين القرآن فضل العلماء، فقال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11].
    وقال رسول الله ( مبيِّنًا فضل السعي في طلب العلم: (من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا؛ سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) [البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه]. وقال (: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [البخاري وأبوداود والترمذي وابن ماجه].
    وهناك أشياء من العلم يكون تعلمها فرضًا على كل مسلم ومسلمة، لا يجوز له أن يجهلها، وهي الأمور الأساسية في التشريع الإسلامي؛ كتعلم أمور الوضوء والطهارة والصلاة، التي تجعل المسلم يعبد الله عبادة صحيحة، وهناك أشياء أخرى يكون تعلمها فرضًا على جماعة من الأمة دون غيرهم، مثل بعض العلوم التجريبية كالكيمياء والفيزياء وغيرهما، ومثل بعض علوم الدين التي يتخصص فيها بعض الناس بالدراسة والبحث كأصول الفقه، ومصطلح الحديث وغيرهما.
    مظاهر الحضارة الإسلامية:
    لم تغفل الحضارة الإسلامية الجانبين الروحي والمادي في حياة الإنسان، لذلك نجد أن الحضارة الإسلامية برزت في مجالات متعددة، بحيث ترقى بالإنسان في كل مستويات حياته، ومظاهر هذه الحضارة هي:
    1- الجانب السياسي.
    2- الجانب الاقتصادي.
    3- الجانب الاجتماعي.
    4- الجانب العلمي.
    5- العلاقات الدولية.
    6- النظام التشريعي.
    7- النظام القضائي.
    8- الجانب العسكري.
    9- الجانب المعماري.




  11. #11
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    العلاقات الدولية في الحضارة الإسلامية


    قدم الإسلام للمجتمع البشرى أسسًا للحياة، تَكْفُل السلامة لهذا المجتمع، وإن اختلفت عقائد الدول وأديانها.
    فنظم التعاون بين الأمم في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كما قدَّم النظم المناسبة للتخفيف من ويلات الحروب، وكان ما قدمه الإسلام في مجال العلاقات الدولية هو أول تعليمات سامية في هذا المجال عرفتها البشرية.
    الجانب السياسي:
    شرع الإسلام نظام المعاهدات، والسفراء، وتأمين الرسل المبعوثين إلى الدول الأخرى، وكتب رسائل الدعوة لهذه الدول.
    الجانب الاقتصادي:
    أباح الإسلام التعامل بالعملة الفارسية والرومية في بداية الأمر؛ حتى تم إنتاج عملة إسلامية خالصة تدريجيًّا، كما سمح بالتجارة الحرة، فكان التجار غير المسلمين يدخلون بتجارتهم العالم الإسلامي، وعليهم أن يدفعوا بعض المال، وهو ما كان يعرف بالعشور، كما كان التجار المسلمون يدفعون عندما يدخلون أرضًا غير إسلامية بتجارتهم.
    الجانب الاجتماعي:
    أباح الإسلام للمسلمين أن يأكلوا طعام أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من غير ما حرم الله، وأن يقدموا لهم من طعامهم. وأباح للمسلمين أن يتزوجوا من نسائهم، وأن يتعاملوا معهم ببر وصدق وعدالة، وأن يسالموهم ما لم يظهر منهم عدوان أو خيانة، وأن يكونوا منهم على حذر.
    الجانب الثقافي:
    أحل الإسلام للمسلمين أن يتبادلوا الثقافات مع غير المسلمين، وأن يتعلموا لغاتهم، بشرط أن يكون تبادل الثقافات بما لا يتعارض مع قواعد الشرع الإسلامي الحنيف، ولهذا وجدنا المسلمين الأوائل يتعلمون لغات غير المسلمين، لنشر الإسلام، وليأمنوا مكر أهل هذه اللغات بهم كما ترجموا كتبًا كثيرة بلغات مختلفة إلى اللغة العربية.
    الحروب:
    وضع الإسلام للحرب والسلم قواعد ونظمًا دقيقة، أنقذت البشرية من أهوال الصراع والدمار، وأتى الإسلام بمبادئ أخلاقية في مجال الحرب لم تعرفها البشرية من قبل.




  12. #12
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    الجانب الاجتماعي في الحضارة الإسلامية




    كانت البشرية قبل مجيء الرسول ( تعيش في ظلمات كثيرة، وتتخبط في الجهل، وكثُرتْ الوثنية، ووصل عدد الآلهة التي تُعبد من دون الله إلى عدد لم تعهده البشرية من قبل، وانتشرت المفاسد والشرور والمساوئ الأخلاقية، وشمل الفساد كل بقاع الأرض، ثم شاء الله أن يرسل نورًا يزيل به ما على الأرض من ظُلمة، فأشرقت شمس الإسلام، وتغيرت الموازين، ودبت الحياة في العالم.
    وأقام الإسلام مجتمعًا متكاملاً، فبنى الفرد المسلم الصالح، فكان أساسًا لبناء المجتمع المسلم الصالح المترابط الذي يسير على منهج الله سبحانه، وكان لابد من تكوين مجتمع مسلم؛ ليحمل عبء هذه الدعوة مع الرسول (، والدفاع عنها بعد موته، ونشرها في كل أرجاء الدنيا.
    وقد انشغل الرسول ( في بداية الدعوة في مكة بتربية الفرد المسلم؛ كأساس لبناء المجتمع المسلم، وقد تمثلت جوانب هذه التربية في عدة أمور، هي:
    أولاً: تصحيح العقيدة:
    أخرج الإسلام الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد القهار، وإلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأخرجهم من عبادة المادة إلى عبادة الله، وأراد تحريرهم من التخلف العقلي والعقائدي، وترقيق مشاعرهم وأحاسيسهم، والسمو بها إلى أعلى منزلة، فوصل هذا الإيمان إلى أعماق قلوبهم، وحوَّل هذا الإنسان من الدفاع عن قبيلته وعشيرته إلى التفاني في سبيل الدفاع عن دينه وعقيدته، والعمل على نصر هذا الدين، والحرص على نشره، وتبليغه للناس ابتغاء مرضاة الله.
    فهذا الصحابي الجليل ربعي بن عامر يدخل على رستم -قائد الفرس- فلا يهتم بالزخرفة والزينة التي تحيط به، فيقول له رستم: ما جاء بكم ؟! فيرد عليه ربعي قائلاً: إن الله ابتعثنا لنخرج مَنْ شاء مِنْ عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جوْر الأديان إلى عدل الإسلام.
    ثانيًا: السمو الخلقي، والتخلق بأخلاق القرآن:
    كان كثير من العرب يفعلون الفواحش والمعاصي، وعندما جاء الإسلام ألبسهم ثوب العفة والطهر، فغضوا أبصارهم، واستقبحوا الفواحش والمعاصي، وذلك بفضل الضمير الحي الذي يراقب الله ويخشاه، والذي رباه القرآن في المسلم، فإذا غلبه الشيطان والهوى ووقع في معصية، عاتبه ضميره، وسرعان ما يتوب، ويطلب أن يقام عليه الحد إن كانت المعصية مما يوجب إقامة الحد.
    وكان العربي يحمل السيف ويعتدي على غيره بسبب وبغير سبب، وكانت الحروب تستمر بين العرب وبعضهم لفترات طويلة، فجاء الإسلام فحرَّم البغي والعدوان، ونشر الأمن والسلام، فصار الناس رحماء بعد أن كانوا معتدين.
    ثالثًا: التحاكم إلى الله ورسوله:
    كان العرب يتحاكمون فيما بينهم إلى شرائع توارثوها عن آبائهم، واحتكموا إليها بأهوائهم، فجاء الإسلام فأنهى تلك الفوضى، ورد الحكم إلى الله سبحانه، قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء: 65].
    رابعًا: المسئولية الشخصية والولاء للدين:
    أكد الإسلام على المسئولية الشخصية، واعتبرها أساس المسئولية في الإسلام، وقد كان العربي -قبل الإسلام- يناصر قبيلته سواء كانت ظالمة أو مظلومة، فلا يهمه هل هي على حق أم على باطل، فجاء الإسلام فعلَّم المسلم أن أساس الحساب أمام الله هو المسئولية الشخصية، وعلَّم الإسلام الإنسان أن يكون ولاؤه لدينه فقط، قال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [المائدة: 55 ـ 56] .
    خامسًا: تكريم المرأة:
    اعتنى الإسلام بالمرأة عناية كبيرة، ورفع مكانتها، وأعلى منزلتها، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: والله لقد كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل.
    مظاهر عناية الإسلام بالمرأة:
    1- قضى الإسلام على صور الزواج التي كانت عندهم، ما عدا الصورة الصحيحة التي عليها زواج الناس حتى الآن، لما في ذلك من تكريم للمرأة، وأنها ليست متاعًا لكل من أراده.
    2- حفظ الإسلام للمرأة مكانتها، فقد كانت تورث كما يورث المتاع، فكان الابن الأكبر يرث نساء أبيه، كما يرث أنواع الميراث الأخرى، فجاء الإسلام فحرَّم ذلك.
    3- لم يكن للمرأة عندهم ميراث، فلا ترث البنت من أبيها ولا الزوجة من زوجها، ولا الأم من ابنها، ففرض الله للمرأة ميراثًا، قال الله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيبا مفروضا) [النساء: 7].
    4- نهى الإسلام عن وأد البنات، (أي قتلهن أحياءً)؛ خوفًا من أن يأتين بالفقر أو بالعار.
    5- منح الإسلام المرأة حق التعليم، فقد كان النساء على عهد رسول الله ( يذهبن إليه، ليسألنه في أمور الدين، وكن يسألن أمهات المؤمنين، وكان النبي ( يخطب العيد للرجال، ثم يذهب إلى النساء يخطب فيهن. وجعل الرسول ( طلب العلم واجبًا في حق كل مسلم رجلاً كان أو امرأة. قال (: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [البخاري].
    6- أجاز الإسلام للمرأة أن تعمل إذا فقدت من يعولها ويعول أولادها، أو مرض هذا العائل، ولها ذرية ضعاف، لتنفق على نفسها وعلى أولادها، فإن لم تستطع الخروج، كان على الدولة أن تتكفل بها وبعيالها، وتعمل كذلك إذا احتاج المجتمع الإسلامي إلى عملها، إذ يصبح خروجها للعمل في هذه الحالة فرض عين عليها لا يحل لها التخلف عنه.
    7- وجعل الإسلام رضا المرأة شرطًا لصحة الزواج، فلا يستطيع أحد أن يجبر المرأة على أن تتزوج بمن لا ترضاه. قال (: (لا تُنكح الأيِّم (الثيب) حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن) [البخاري].
    8- ولم يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة على أساس النوع، إنما التفاضل بينهما فيما فضل الله به بعضهم على بعض، أما فيما دون ذلك، فالرجل والمرأة سواء لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97].
    مكانة المرأة في الحضارات الأخرى:
    ولكي تظهر مكانة المرأة في الإسلام، فلننظر نظرة سريعة إلى مكانتها في الحضارات الأخرى. كانت مصر هي البلد الوحيد الذي نالت فيه المرأة بعض حقوقها قديمًا، إذ كان للمرأة أن تملك، وأن ترث، وأن تقوم على شئون الأسرة في غيبة الزوج، ومع ذلك فقد كان الزوج هو السيد عليها، وكان ينظر إلى المرأة على أنها وسيلة للتمتع الجسدي تفوق ما سواها من إمكانات بنَّاءة خلقها الله في المرأة.
    وكانت المرأة عند الصينيين لا قيمة لها، ويسمونها (بالمياه المؤلمة)، وهي شَرٌّ في بيت الرجل يتخلص منه متى شاء، وإذا مات زوجها حبست في بيته للخدمة كالحيوان. وكانت المرأة في الحضارة الإغريقية لا قيمة لها، لذلك حبسوها في البيت خادمة للرجل، واعتبروها قاصرًا لا يحق لها التمتع بأي حق، ونظروا إليها على أنها رجس من عمل الشيطان، وكانت تقدم قربانًا للآلهة عند نزول المصائب بهم.
    وكان الهنود القدماء ينظرون إلى المرأة على أنها مخلوق نجس، إذا مات عنها زوجها حُرقت مع جثته بالنار، وكانت أحيانًا تدفن وهي حية، وإذا كانت زوجة فللزوج أن يفعل بها ما يشاء من سَبٍّ وضرب وشتم وغير ذلك.
    وكان حال المرأة عند الرومان كحالها عند اليونان، بل أقبح حالاً، فهي أداة للإغواء، وهي تُباع وتُشترى، ولزوجها عليها السيادة المطلقة، وللزوج أن يتزوج من النساء ما يشاء، وتتعرض لشتى أنواع التعذيب، وتكلَّف ما لا تطيق.
    وفي بلاد الفرس، كانوا يذلون المرأة ويُعدونها سبب انتشار الفساد، ولذا كانت تعيش تحت أنواع كثيرة من ظلم الناس، وتقع تحت سلطة الزوج المطلقة، فله أن يحكم بقتلها، وأن يتزوج من النساء غيرها ما يشاء دون قيد أو شرط.
    وكان اليهود يحمِّلون المرأة إثم إغواء آدم وإخراجه من الجنة، وهي عندهم في المحيض نجسة، وكل ما تلمسه نجس، ولهم الحق في بيعها وحرمانها من الميراث.
    وكانت المرأة عند النصارى وسيلة الشيطان، ويجردونها من العقل، وهي منكر، وكانت كنيسة روما تنفي وجود الروح في المرأة، وهي عندهم نجسة، وترتب على ذلك التحذير من الزواج بها، فلجأت النساء للأديرة وحياة الرهبنة، وكان هذا الوضع في العالم المسيحي حتى جاء عصر النهضة الحديثة.
    وكانت المرأة عند العرب قبل الإسلام جزءًا من متاع الرجل وثروته، وتورث كما يورث المتاع، والابن الأكبر يرث نساء أبيه، وليس لها ميراث، وفي حيضها تعزل عن كل شيء؛ لأنها تعد نجسة، وإذا مات عنها زوجها تدخل في مكان منعزل من البيت وتظل فيه عامًا كاملاً، لا تلبس إلا قديم الملابس، وكانت قمة امتهانها تتمثل في البغاء ونكاح المتعة وغيرها، ومن أقبح العادات عند العرب قديمًا قتل البنات وهن أحياء.
    سادسًا: المساواة بين الناس:
    كان العربي يؤمن بنظام الطبقات، وكانت نظرته للإنسان على أنه إما سيد وإما عبد، وكان يؤمن بالدم والنسب أساسًا للتفاضل بين الناس، فجاء الإسلام، وألغى نظام الطبقات، وجعل أساس التفاضل التقوى والعمل الصالح، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر أو أنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13].
    وقال النبي (: (يأيها الناس إن ربكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) [أحمد].
    سابعًا: العالمية:
    كان العربي يعيش في الجزيرة العربية ضعيفًا يخاف قوة الفرس والروم، ويقبل راضيًا مختارًا أو كارها أن يعيش في منطقة خاضعة للفرس أو الروم، فكان العربي ينظر إليهم نظرة رهبة، وقد عَبَّر عن ذلك عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قائلا: إنها الروم وبنو الأصفر حدُّ حديد، وركنٌ شديد.
    وقد كانت نظرة الفرس والروم للعرب نظرة احتقار وازدراء، وهذا ما عبر عنه أحد ملوك الفرس في الرسالة التي وجهها إلى جيش المثنى بن حارثة، قائد جيش المسلمين لغزو الفرس، قال فيها: إني قد بعثت إليكم جندًا من أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم.
    فجاءه رد المثنى بن حارثة: إنما أنت أحد رجلين، إما باغٍ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وفي الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير، فانزعج الفرس من كتابه هذا انزعاجًا شديدًا. إن الإسلام جعل العرب ينطلقون شرقًا وغربًا، يفتحون البلاد لنشر الإسلام وتكوين الدولة الإسلامية العالمية.
    التكافل الاجتماعي في الحضارة الإسلامية
    لقد وضع الإسلام نظامًا دقيقًا يحقق العدالة الاجتماعية بين المسلمين، ويشيع بينهم جوًّا من المحبة والمودة والرحمة والتعاون والإيثار. والمال من الأشياء الهامة التي لها دور رئيسي في تحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين، والإسلام لا يحارب الغنى، ولا ينتقص من ثروة الأغنياء، ما دامت هذه الثروة قد جاءت بطريق مشروع وأُدي حق الله فيها.
    وهناك كثير من التشريعات المرتبطة بإنفاق المال، وكلها تعمل على توثيق التعاون والترابط والمودة والمحبة بين المسلمين، ومن هذه التشريعات: الزكاة، والصدقات، فالزكاة والصدقات يخرجها الرجل طهارة لماله، وإحساسًا بأخيه المسلم الفقير، ومعاونة له على مشاق الحياة وإدخال السرور على قلبه، فتتحقق المودة بين الفقير والغني، وتختفي الأمراض القلبية من المجتمع من حقد وحسد، ومنها الكفارات، فهناك كفارات مالية، مثل كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وغيرهما.
    ومن الكفارات الإطعام الذي يوثق الحب والإخاء بين المسلم وأخيه، ومنها الولائم والهدايا والهبات والوصايا، وكلها أمور تقضي على الأنانية بين الناس، وتزيل الكراهية من النفوس، وتساعد على التعاون على البر والتقوى.
    ومنها كفالة اليتيم ورعاية الأرامل، فهذا اليتيم ليس له أحد يرعاه بعد فقد والديه إلا المجتمع المسلم والحاكم المسلم، فإذا نشأ هذا اليتيم في أحضان هذا المجتمع، ووجد من يرعاه ويتولاه حتى يقوى على رعاية نفسه؛ نشأ على حب هذا المجتمع، والتفاني من أجله، مستعدًّا للموت في سبيل الدفاع عنه والأرملة إذا وجدت من يرعاها ويتكفلها؛ أحبت مجتمعها، وشكرت الأيدي التي امتدت لها، وكان ذلك صيانة لها من الانحراف.
    وهناك أمور أخرى كثيرة، مثل الوقف والقرض والعارية، تحقق التكافل بين أفراد المجتمع المسلم، فالرجل الذي يوقف ماله لبناء مسجد أو مستشفي أو مدرسة، أو يوقفه لمساعدة أقربائه، إنما يحب مجتمعه ويضحي من أجله، ويحبه الناس ويذكرونه بالخير، وهذا المقرِضُ الذي يُقْرِض أخاه المحتاج ويعينه، ويساعده إنما يفرج عنه كُربة من كُرب الدنيا، وهذا الذي يُعير أخاه ما يحتاجه، ثم يسترده بعد الانتفاع به، إنما يشيع بينه وبين إخوانه المحبة والتعاون والإيثار.
    حرص الشريعة على سلامة المجتمع وطهارتهأكد الإسلام حرصه على سلامة المجتمع وطهارته ورقيه، وقد ظهر ذلك واضحًا من خلال بعض التشريعات الاجتماعية والأخلاقية، مثل:
    - المعاملات:
    أحلَّ الإسلام البيع، وفصَّل أحكامه وشروطه وأركانه، والحلال منه والحرام، فأحل منه ما كان المجتمع محتاجًا إليه وفيه نفعهم، وحرَّم ما كان ظلمًا وأكلاً لأموال الناس بالباطل، كما حرَّم الإسلام الربا لما فيه من أخطار ومضار كثيرة، فهو يسبب العداوة بين الناس، ويقضي على التعاون فيما بينهم، ويؤدي إلى وجود طبقة لا عمل لها إلا أن يتزايد مالها على حساب الآخرين.
    ومجَّد الإسلام العمل وحث عليه؛ لأنه وسيلة لإعمار الكون ورخاء الأمة، كما حث على القرض الحسن لمن احتاج إلى المال، وعمل على حفظ الدَّين بكتابته والإشهاد عليه، وحث المقترض على رد دينه، وأمر بضرورة الوفاء بالعهد واحترام العقود، كما أوجب الإسلام ضرورة إبداء شهادة الحق وعدم كتمانها، وحرم قول الزور، وحرَّم الغش في الكيل والميزان، وأمر بالعدل، وحث عليه، وجعله أساسًا من أسس الحكم في الإسلام، لما له من أثر في راحة الناس واطمئنانهم على حقوقهم.
    - الحدود والقصاص:
    لقد حرَّم الإسلام الإفساد في الأرض كسفك الدماء، وسرقة المال وغصبه، وانتهاك الأعراض، وقذف المحصنات، وقطع الطريق، وغيرها كثير، فجاءت الحدود الإسلامية لتكون مانعًا من ارتكاب هذا الفساد، وصونًا للمجتمع، فكان للسرقة حد هو قطع اليد، وللزنا حد هو الجلد مائة جلدة وتغريب عام من البلد إن كان غير متزوج، وإن كان متزوجًا فالرجم حتى الموت، وحد القتل العمد هو القصاص وهو قتل القاتل، إلا أن يرضى أهل القتيل بالدية فيأخذونها ويعفى عن القاتل، أو ما اصطلحوا عليه.
    ولا تقام الحدود إلا بالبينة والتثبت، والأصل أن تلغى الحدود بالشبهات، ومن الأمور المقررة أن القاضي إن أخطأ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة، كما أن إقامة الحدود من مسئولية الحاكم المسلم، وليس للأفراد إقامة الحدود إلا من ينيبه الحاكم منهم في إقامة الحد، فإن أقام الحد أحد الناس من تلقاء نفسه؛ عُزِّر لتعديه على حق من حقوق الحاكم، وحتى لا تعم الفوضى في البلاد، وتعزيره موكول للحاكم في حدود التعزير الذي قرره الشرع.
    كما أن الحدود تقام في ميدان عام يراها الناس، حتى يرتدع من يفكر فيما يوجب عليه حدًّا، ولنا في عهد الرسول ( العبرة والعظة، فلم تقم الحدود في عهده إلا ست مرات، نظرًا لتشبع القلوب والنفوس بقيم الإسلام وتعاليمه.
    - الآداب الاجتماعية:
    جاء الإسلام بآداب كثيرة ومتنوعة تحقق سلامة بنيان المجتمع المسلم، وتسهم في ترابطه وتعاونه مثل: إفشاء السلام، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والأخوَّة، والتزاور، والإصلاح بين الناس، والتواضع، والنصح للمسلمين.
    وحرَّم الإسلام أشياء لما لها من أثر سيئ في تفكك المجتمع وتنافره وانحلاله، مثل: الغيبة والنميمة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والاعتداء على الآخرين، والغش، والكذب، والخيانة، وشهادة الزور، والظلم، إلى آخر هذه الأمور المنهي عنها في كتاب الله وسنة رسوله .
    أسس بناء الدولة الإسلامية الأولي في المدينة
    إن أول مجتمع إسلامي تكوَّن وتربى على الإسلام هو ذلك المجتمع الذي رباه الرسول الكريم (، وهو المجتمع المثالي لأي مجتمع، وقد أقامه الرسول ( على عدة أسس، هي:
    بناء المسجد:
    لقد كان أول شيء قام به الرسول ( بعد قدومه إلى المدينة المنورة هو بناء المسجد، وقد كان للمسجد أثره الكبير في إقامة المجتمع الإسلامي على آداب الإسلام وتعاليمه، فلم يكن المسجد مكانًا لأداء الصلاة فقط، وإنما كان مكانًا للتربية وللعلم وللقيادة وللحكم وللمناسبات الإسلامية. فقد كان الرسول ( يعلم المسلمين في المسجد أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه.
    وكان ( يقضي بين الناس في المسجد، وكانت تُعقد فيه ألوية الحرب وتوجيه الرسل إلى الملوك، وإدارة شئون الدولة الإسلامية، وكان المسجد مكانًا لعلاج المرضى وإسعافهم سواء في وقت السلم أو الحرب، وهكذا يظهر دور المسجد في بناء الدولة الإسلامية وحضارتها.
    المؤاخاة بين المسلمين:
    لقد كان الأساس الذي أرساه الرسول ( لبناء المجتمع الإسلامي في المدينة، بعد بناء المسجد هو المؤاخاة بين المسلمين، وهو عمل بدأه بين مسلمي مكة قبل الهجرة.
    ولم يكن المهاجرون يملكون شيئًا بعد أن هاجروا إلى المدينة، فقد تركوا أموالهم وأولادهم في مكة، فآخى الرسول ( بين المهاجرين والأنصار، وقامت المؤاخاة على أسس مادية كالمشاركة في المال والثروة والتوارث فيها، بالإضافة للأسس المعنوية كالولاء والمناصرة، وظل هذا التوارث بسبب المؤاخاة قائمًا حتى غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة، عندما نزل قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75] فأصبح التوارث بسبب القرابة والرحم.
    وقد أحب الأنصار المهاجرين حبًّا شديدًا، وآثروهم على أنفسهم، فأثنى الله عليهم، قال تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 6]. وهذه المحبة التي قامت بين المسلمين كانت نعمة من الله عليهم، فقد جعلت المسلمين أسرة واحدة، ومجتمعًا واحدًا.
    المعاهدة بين المسلمين وغيرهم:
    أصبح سكان المدينة بعد المؤاخاة بين المسلمين جماعتين فقط: جماعة المسلمين، وجماعة غير المسلمين وأغلبهم من اليهود، فوضع الرسول ( دستورًا وميثاقًا للعلاقة بين المسلمين وغيرهم، وكانت هذه المعاهدة من أعظم المظاهر الحضارية في الحياة السياسية والاجتماعية التي جاء بها الإسلام لبيان الحقوق والواجبات التي على المسلمين وعلى غيرهم بصورة لم تعهدها شبه الجزيرة من قبل.
    الرسول ( القدوة:
    كان الرسول ( هو قائد المجتمع المسلم، وهو الحاكم القدوة، فكان الرسول ( يستشير أصحابه في كثير من الأمور، وكان يلتزم الشورى في كل أمر لم ينزل فيه وحي من عند الله، حتى قال أبوهريرة -رضي الله عنه-: (ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله () [الترمذي].
    وكان ( يمازح أصحابه ويداعبهم ويخالطهم، ويجيب دعوة الحر والعبد، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ويقبل عذر المعتذر، وكان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويساعد أهل بيته،.... إلى آخر صفاته الكريمة (.
    وقد نزل القرآن آمرًا الصحابة بالاقتداء بالرسول (، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21].
    ومن هنا اقتدى الصحابة بالرسول (، وبذلك تربى المجتمع الإسلامي الجديد على القيم والأخلاق، وبهذه الأسس الراسخة، وتلك القواعد الثابتة والقيم السامية والأخلاق الرفيعة، جاءت حضارة الإسلام، فأخرجت للعالم خير أمة أخرجت للناس.
    الأسرة في الحضارة الإسلامية
    الأسرة هي الدرع الحصينة التي تحمي صاحبها، ولا يكون الإنسان قويًّا عزيزًا إلا إذا كان في أسرة تحصنه. والأسرة التي ينشدها الشرع هي الأسرة الملتزمة بأوامر الله، والتي تكون نواة للمجتمع الملتزم بمنهج الله وشرعه.
    الزواج أساس تكوين الأسرة المسلمة:
    الزواج هو الطريق الشرعي الصحيح لتكوين الأسرة المسلمة، وقد حث الإسلام على الزواج وشجع عليه، قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}
    [الروم: 21].
    وقال الرسول (: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [متفق عليه].
    وللزواج فوائد كثيرة أهمها:
    - أنه وسيلة مشروعة للمحافظة على بقاء النسل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
    - المحافظة على الأنساب من الاختلاط، بسبب ما يترتب على النسب من حقوق وقواعد كالميراث، ومعرفة المحارم وغير ذلك.
    - المحافظة على المجتمع من شيوع البغاء والزنى واللواط.. تلك الأمراض التي تهدم المجتمع.
    - الزواج مسايرة للفطرة وعدم الانحراف عنها.
    وسوف يؤدي الزواج ثماره المرجوة إذا توافرت فيه النية الصادقة، والقدرة على نفقات الزواج. فالمسلم يبغي من زواجه أن يعف نفسه، ويحصن فرجه، ويكثر أعداد المسلمين، فعلى المسلم أن يصحح نيته في ذلك، فقد قال النبي (: (إن في بضع أحدكم صدقة)، قالوا: يا رسول الله، أيقضي أحدنا شهوته، ويكون له بها أجر؟). قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟). قالوا: نعم. قال: (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) [مسلم وأبوداود].
    ولقد وضع الإسلام كثيرًا من الضوابط، حتى يحقق الزواج ثمرته المرجوة، وهذه الضوابط هي:
    الخطبة قبل الزواج:
    والخطبة مجرد وعد بالتزويج، وقد أباح الشرع الحنيف لمن يريد الزواج من امرأة أن ينظر إليها، حتى يكون على بصيرة من أمره، إن كان ينظر إليها بقصد الخطبة، قال رسول الله (: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)
    [الترمذي والنسائي وابن ماجه]. إلا أن الخطبة لا تحل حرامًا كان قبلها، فما يزال كلا الخاطبين أجنبيًّا، فلا يجوز للرجل أن يخلو بمخطوبته، أو يخرج معها دون محرم، ولا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة أخيه.
    فعن أبي هريرة أن رسول الله ( قال: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب) [الجماعة]. أما إذا تقدم الرجل لخطبة امرأة، ولم يرد أهلها عليه، وتقدم غيره بدون علم؛ فقبلوا الثاني، فلا حرمة في ذلك. ويستحب إخفاء الخطبة، وذلك خشية إفساد المفسدين، أو ربما لا يوفق الله بينهما، ويترك كل منهما الآخر، فيسبب ذلك حرجًا للمخطوبة، بخلاف العقد، فإنه يجب فيه الإشهار والإشهاد.
    اختيار الزوجة:
    حثَّ الإسلام الشاب على أن يختار زوجته ممن تتوفر فيها عدة شروط، وهي:
    الدين: فقد كان النبي ( يحث على اختيار ذات الدين الملتزمة بتعاليم الإسلام وآدابه، قال (: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين) [الجماعة].
    حسن الخلق: وذلك لأنه لا يخفى على الإنسان أن بعض الصفات تنتقل إلى الأبناء بالوراثة، وكذلك بالتربية، فالبيت الملتزم يربي أبناءه على الالتزام والقيم الأخلاقية والطاعة.
    البكر: فقد روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن الرسول ( قال له: (تزوجت يا جابر؟). فقلت: نعم. قال: (أبكرًا أم ثيبًا ؟). قلت: بل ثيبًا. قال: (فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك). فقلت له: إن عبد الله (والد جابر) هلك وترك تسع بنات، وإني كرهتُ أن أجيئهن بمثلهن، فأحببتُ أن أجيء بامرأة تقوم عليهن، وتصلحهنَّ). فقال (: (بارك الله لك) [متفق عليه]. وإن كان الإسلام قد دعا إلى الزواج من البكر، فإنه لم يوجب ذلك، وقد تُفَضَّل المرأة الثيب على البكر أحيانًا كما ورد في حديث جابر السابق.
    الولود: لقول الرسول (: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم) [أبو داود والنسائي]. ومن عظمة الإسلام ورحمته، أنه إذا كان قد أمر بالزواج بالودود الولود، فإنه أمر بالإحسان من سواها، إذ لا ذنب لها في قَدَر قدَّره الله عليها، وربما كان لها من الخلق والقدرات والمواهب ما يفوق ما حرمت منه.
    اختيار الزوج:
    وكما وضع الإسلام للرجل أسسًا يختار على أساسها الزوجة، فإنه وضع أيضًا للمرأة أسسًا تختار على أساسها زوجها، فلابد أن يتوفر في الرجل جميع ما يجب توفره في المرأة، دون تفرقة بينهما، فينبغي أن تتوفر فيه الصفات التالية:
    - أن يكون رجلاً ذا دين.
    - أن يكون أمينًا ذا خلق.
    - أن يكون قادرًا على تحمل المسئولية.
    وهذه الصفات معلومة من حديث الرسول (: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلاَّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد) [الترمذي].
    ويستحب أن يكون الزوج متقاربًا في السن مع الزوجة، فقد خطب أبو بكر وعمر، -رضي الله عنهما- فاطمة، فقال الرسول (: (إنها صغيرة)، فخطبها علي، فزوجها له. [النسائي].


    حقوق الزوج على زوجته:
    ولكي تدوم المودة بين الزوجين، ومن أجل الحفاظ على الأسرة المسلمة، جعل الشرع الحنيف لكل من الزوجين حقوقًا على الآخر يؤديها إليه في رضا وسعادة، وحقوق الزوج على زوجته هي:
    - الطاعة: فيجب على المرأة المسلمة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به سرًّا وعلانية، ما لم يأمرها بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقد سئل النبي (: (أي النساء أفضل؟ فقال (: (التي تطيع زوجها إذا أمر، وتسره إذا نظر) [أحمد].
    - إجابة دعوة الزوج لها إلى الفراش في أي وقت، فإذا دعا الزوج زوجته إلى فراشه فلم تجبه، غضب الله عليها.
    - ألاَّ تصوم صوم تطوع إلا بإذنه، قال رسول الله (: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه) [البخاري].
    - المحافظة على مال زوجها وعدم الإسراف فيه: لقول الرسول (: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا) [مسلم].
    - تربية الأولاد تربية إسلامية وتنشئتهم على الأخلاق الفاضلة، قال (: (كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها) [البخاري].
    - التزين والتجمل: فمن حق الزوج على زوجته أن تتزين وتتجمل له.
    وهناك، حقوق كثيرة، منها الوفاء للزوج، واحترام مشاعره، وشكر جميله، وحسن معاشرة أهله، والحداد عليه بعد وفاته، وإعانته على فعل الخيرات والطاعات من صيام وقيام وبر والديه، قال (: (رحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّتْ وأيقظتْ زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) [أبو داود]. وغير ذلك.
    حقوق الزوجة على زوجها:
    وكما أن للرجل حقوقًا على زوجته، فإن لها -أيضًا- حقوقًا على زوجها، وهذه الحقوق منها حقوق مالية وحقوق غير مالية، ومن هذه الحقوق ما يلي:
    - المهر: وهو حق خالص للزوجة، وهذا المهر لا حد لكثرته أو قلته إلا أنه تكره المغالاة في المهور، قال (: (إن أعظم النكاح بركة، أيسره مئونة) [أحمد].
    - النفقة: والمقصود بها أن يوفر الزوج لزوجته من الطعام والمسكن والدواء، وإن كانت غنية.
    - حسن معاشرتها، فإن أول ما يجب على الزوج لزوجته أن يعاشرها معاشرة حسنة، وأن يكرمها على قدر ما يستطيع، وأن يقدم إليها ما يؤلف قلبها ويقوي رابطة المحبة بينهما.
    ومن مظاهر كمال أخلاق المسلم أن يكون رفيقًا مع أهله، يقول الرسول (: (أكمل المؤمنين إيمانًا، أحسنهم أخلاقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا) [الترمذي].
    ومن إكرام المرأة تحمُّل ما يصدر منها، قال رسول الله (: (استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خُلِقنَ من ضِلَع أعوج، وإن أعوج شيء في الضِّلَع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا) [البخاري]. ومن حسن معاشرتها إدخال السرور عليها؛ لأن ذلك يولد الحب، ويشيع في الأسرة المسلمة جوًّا من المودة والرحمة، وقد كان الرسول ( يداعب أهله، ويسابق السيدة عائشة -رضي الله عنها-.
    - صيانتها والحفاظ عليها من كل ما يخدش كرامتها، وينبغي أن يكون الرجل معتدلاً في غيرته على أهله؛ حتى لا تفسد الحياة الزوجية وتتحول إلى عذاب، وتضيع الثقة بين الزوج وزوجته وتستحيل الحياة بينهما.
    - تعليمها أحكام دينها، وتحذيرها من المعصية، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6].
    - ألاَّ يفشي سرها،، وذلك لقول الرسول (: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها) [مسلم].
    - عدم الإضرار بها في أي أمر من الأمور.
    - ألا يدخل الرجل على أهله ليلا إذا أطال الغيبة، كأن يكون في سفر، إلا إذا أعلمها، وهذا من أسمى الآداب الإسلامية في معاملة الرجل لزوجته، وهو أدعى لاحترام مشاعر الزوجة، والثقة المتبادلة، وأدعى لدوام الحب والعلاقة الحسنة بينهما، قال رسول الله (: (إذا أطال أحدكم غيبته، فلا يطرق أهله ليلاً) [البخاري].
    - العدل بين الزوجات إن كان الزوج متزوجًا بأكثر من واحدة، قال (: (إذا كان عند الرجل امرأتان، فلم يعدل بينهما؛ جاء يوم القيامة وشقه ساقط) [الترمذي].

    الحقوق المشتركة بين الزوج وزوجته :
    -حق العشرة الزوجية واستمتاع كل من الزوجين بالآخر، فيحل للرجل من زوجته ما يحل لها منه.
    - حرمة المصاهرة؛ أي أن الزوجة تحرُم على أب الزوج وأجداده وأبنائه، وفروع أبنائه وبناته، كما يحرم الزوج على أمها وبناتها، كما يحرم عليه عمتها وخالتها ما دامت في عصمته.
    - ثبوت حق التوارث بينهما بمجرد إتمام العقد، فإذا مات أحدهما بعد إتمام العقد ورثه الآخر، وإن لم يكن قد دخل بها.
    - ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش.
    تعدد الزوجات:
    تعدد الزوجات ليس ظلمًا للمرأة، بل هو عدل ومراعاة لعادات وطباع كثير من الناس، فقد كان معروفًا في اليونان، وكانوا يبيحون تعدد الزوجات بلا حساب، وأباحه بعض البابوات لبعض ملوك النصارى بعد الإسلام، (مثل شارلمان) ملك فرنسا الذي كان معاصرًا للخليفتين المهدي والرشيد. وقد اختلفت عادات الناس في تعدد الزوجات، ولم يشذ عن إباحة التعدد إلا الأوربيون، واستبدلوا بتعدد الزوجات الشرعية، السفاح واتخاذ الأخدان.
    يقول الفيلسوف الإنجليزي (سبنسر): إن الزوجات كانت تباع في إنجلترا فيما بين القرنين الخامس والحادي عشر، وإنه حدث أخيرًا في القرن الحادي عشر أن المحاكم الكنسية سنَّت قانونًا ينص على أن للزوج أن ينقل أو يعير زوجته إلى رجل آخر لمدة محدودة حسبما يشاء الرجل المنقولة إليه، وشر من ذلك ما كان للشريف الحاكم من الحق في الاستمتاع بزوجة الفلاح عند عقده عليها أربعة وعشرين ساعة. هذا إلى غير ما كان في هذه الفترة من أحكام وقرارات جائرة ظالمة للمرأة وكرامتها، فأين هذا من تكريم الإسلام وحضارته السامية للمرأة، واحترامه لها ولكرامتها وحيائها وآدميتها!!
    أما بالنسبة لتعدد الزوجات في الإسلام، فإنه لم يترك هذا الأمر هكذا، بل قيده بعدد محدد وهو أربع زوجات، وبالقدرة على القيام بحقهن، وقيده بقيد أهم، وهو العدل بين الزوجات، فإن لم يستطع الرجل أن يعدل فواحدة، والإسلام لم يوجب التعدد، وإنما أباحه لأمور كثيرة منها:
    - استحالة العشرة بين الزوجين، فيتزوج الرجل وترضى زوجته بأن تعيش مع ضرتها، ولا ترضى بالطلاق.
    - عقم الزوجة، فيضطر الزوج إلى الزواج بأخرى رغبة في الولد.
    - في حالات الحرب حيث يكثر النساء، فيتزوج الرجل بأكثر من زوجة، حتى لا تكثر العوانس في المجتمع، ويؤدي ذلك إلى الرذيلة.
    - قد يكون الرجل ممن لا يصبرون عن النساء، والمرأة في حالة حيضها ونفاسها ومرضها لا يحل للرجل أن يأتيها مما قد يعرضه للوقوع في الفاحشة، فكان الأحسن والأليق بحاله أن يباح له الزواج بأخرى دفعًا للمضرة، والإسلام حينما أباح التعدد إنما أباحه لهذه الضرورات وغيرها مما يرفع عن المسلمين الحرج. والخلاصة أن الإسلام أتى في هذه المسألة بالكمال الذي لابد أن يعترف به دعاة المدنية الغربية وغيرهم مهما طال عنادهم.



    تربـية الأبناء في الحضارة الإسلامية
    الأبناء نعمة من الله تعالى تستحق الشكر، وشكر نعمة الله في الأولاد يكون بتربيتهم تربية إسلامية صحيحة على المبادئ والأخلاق والقيم، قال (: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه) [البخاري].
    حقوق الأبناء على الآباء:
    اهتم الإسلام بتربية الأبناء اهتمامًا كبيرًا، وجعل على الآباء لأبنائهم حقوقًا، كما جعل للآباء على أبنائهم حقوقًا، وهذه الحقوق هي:
    - اختيار الأم الصالحة: فينبغي أن يختار الأب لأبنائه أمًّا صالحة تقوم على تربية أبنائه تربية صحيحة، بحيث يكون هؤلاء الأبناء قادرين عل حمل أمانة الإسلام، والوصول بها إلى غايتها، والدفاع عنها.
    - دفع الضرر عنه، وله صور منها: التأذين في أذن المولود اليمنى وإقامة الصلاة في أذنه اليسرى. فعن أبي رافع عن أبيه قال: (رأيت رسول الله (، أذَّن في أذن الحسن بن علي -حين ولدته فاطمة- بالصلاة) [أبو داود والترمذي]. هذا سوى ما يجب على الوالد من الدفاع عن ولده وحمايته من أي خطر قد يتعرض له في دينه أو دنياه.
    - تسميته اسمًا حسنًا حين ولادته، وقد بين رسول الله ( أن أحسن الأسماء عبد الله، وعبد الرحمن، حيث قال: (إن أحسن أسمائكم إلى الله
    عبد الله، وعبد الرحمن) [مسلم].
    وحذر الإنسان من أن يختار لابنه اسمًا قبيحًا، فالإنسان يتضرر بالاسم القبيح ويتأذى به، كما أنه يستبشر بالاسم الحسن؛ ولما في ذلك من اقتداء بالأنبياء والصالحين.
    - شرع الإسلام العقيقة عن الولد يوم السابع من ولادته إن تيسر ذلك، ويُذبح عن الولد شاتان، وشاة عن البنت، ويدعي إليها الفقراء والمساكين والأقارب والصالحون والأصدقاء، وذلك لزيادة الترابط بين المسلمين، وزيادة المحبة والأخوة، ودفعًا للأذى عن هذا الطفل، ويُسَنُّ حلق شعره قبل العقيقة.
    - ختان المولود: لقول رسول الله (: (الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب) [البخاري]. ويختن الطفل قبل بلوغه السابعة.
    - النفقة والواجبات المالية: النفقة واجبة على الأب لأبنائه ذكورًا كانوا أو إناثًا ما داموا في كفالته، وذلك حتى لا يتركهم يتعرضون للضياع والانحراف، قال رسول الله (: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يعول) [أبوداود].
    - العدل بين الأولاد، فتفضيل بعض الأبناء على بعض يؤدي إلى إثارة الحقد والحسد والبغض؛ مما يضر بالترابط الأسري، الذي صانه الإسلام، وحافظ عليه بكل السبل.
    - حق التربية والتعليم، فتربية الأبناء تربية سليمة أمانة في عنق الوالدين، قال رسول الله (: (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، حفظ أم ضيع) [الترمذي].
    حقوق الآباء على الأبناء:
    فرض الإسلام على الأبناء طاعة الوالدين، والإحسان إليهما، وحسن صحبتهما، قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريمًا. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} [الإسراء: 23-24]. وسئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين، فقال: ألا تقوم إلى خدمتهما وأنت كسلان. وقيل: ألا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر إليهما شزرًا (باحتقار)، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر أو باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا.
    ونهى الإسلام عن عقوق الوالدين، قال رسول الله (: (ألا أخبركم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين) [الترمذي].
    ومن تكريم الإسلام للأم، واعترافًا بمكانتها ودورها أن جعل حقها في البر أكبر من حق الأب، فقد جاء رجلٌ إلى رسول الله ( يسأله: يا رسول الله: من أَبِرُّ ؟ قال: (أمك)، قال: ثم من ؟ قال: (أمك)قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال (أباك، ثم الأقرب فالأقرب) [الترمذي].
    الترويح في الأسرة المسلمة
    الأسرة المسلمة تروح عن نفسها باللعب واللهو المباح، فقد سابق النبي ( السيدة عائشة فسبقته، فسابقها مرة أخرى فسبقها، وقال لها: (هذه بتلك) [أبو داود].
    وكان ( يداعبها، ويقول لها: (إني لأعلم إذا كنت عليَّ راضية، وإذا كنت عليَّ غضْبى؟). قالت: وكيف يا رسول الله؟ قال: (إذا كنت عليَّ راضية قلت: لا ورب محمد، وإذا كنت على غضبى قلت: لا ورب إبراهيم). قالت: أجل والله، ما أهجر إلا اسمك. [متفق عليه].
    وقدم وفد الحبشة على رسول الله (، فقاموا يلعبون في المسجد، وروت ذلك السيدة عائشة، فقالت: (فرأيت رسول الله يسترني بردائه، وأنا أنظر حتى أكون أنا التي أسأم) [البخاري] .
    وكانت جاريتان تلعبان في المسجد، وعائشة -رضي الله عنها- تنظر من فوق كتف رسول الله (، فقال (: (لتعلم يهود أن في ديننا فسحة؛ إني بعثت بحنيفية سمحة) [البخاري].
    ويقول حنظلة بن الربيع-رضي الله عنه- كنا عند رسول الله (، فوعظنا فذكر النار، ثم قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت
    المرأة. فخرجت فلقيت أبا بكر؛ فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله (. فقلت: يا رسول الله، نافق حنظلة، فقال: (مه (أي: اسكتْ))، فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: (يا حنظلة، ساعة وساعة، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق) [مسلم]. ومن اللهو المباح أيضًا في الأسرة المسلمة ما يحدث في حفلة العرس من ضرب بالدف، وإنشاد الأناشيد الإسلامية التي تحث على مكارم الأخلاق، كما في ذلك من إدخال السرور على الزوجين.
    رعاية الإسلام لأقارب الزوجين
    إن حرص الإسلام على الأسرة لم يقصره على الزوجين والأبناء، بل جعله عامًّا لكل ذي رحم. وأقارب الزوجين أهل للأسرة الناشئة، فأم الزوج في مقام أم الزوجة، وأم الزوجة في مقام أم الزوج، لذلك حث الإسلام الزوج على البر بأهل الزوجة، وحث الزوجة على البر بأهل زوجها، وذلك التواد والتراحم ينمي قوة الترابط والتماسك الأسري. هذه هي بعض أسس الحضارة الإسلامية في مجال الأسرة المسلمة، التي تميزت به عن غيرها من الحضارات.
    وإذا نظرنا إلى الأسرة في مدنيَّة الغرب المعاصرة نظرة سريعة، وجدنا هذه المدنية لا تحافظ على قدسية الأسرة وسلامتها كما حافظ عليها الإسلام، وحاطها بسياج من العفة والطهارة، فتشيع عندهم الفاحشة، ويكثر أولاد البغاء والزنى.
    ومما يُحزن القلب أن المسلمين في ظل ضعفهم الحضاري تلقوا تعاليم الغربيين، ونظرياتهم في كثير من الأمور والأنظمة، فتعرض نظام الأسرة في المجتمعات الإسلامية لخطر التفكك والانحلال الذي ظهرت عواقبه السيئة، في سلوك كثير من الشباب، وتنكر كثير منهم لتعاليم دينهم، وظهرت في حياة كثير من أسر المسلمين سلوكيات لا تتفق مع قيم الإسلام، وتناقض ما جاءت به الحضارة الإسلامية من مبادئ سامية في مجال الأسرة المسلمة، في الوقت الذي بدأ فيه الغربيون وأعداء الإسلام يأخذون بنظم الإسلام في مجال الأسرة لما رأوا فيه من الخير لبناء المجتمع وتماسكه




  13. #13
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    الجانب السياسي في الحضارة الإسلامية






    جاء الإسلام رحمة للعالمين، وجاءت تعاليم الإسلام لتضمن سلامة المجتمع البشري من التفكك والضعف والانحلال، ولتضمن سعادته في الدنيا والآخرة، ولقد تمسك بها الصحابة -رضي الله عنهم- فخضعت لهم الدنيا، وأسسوا للإسلام دولة واسعة الحضارة، قوية البناء، محبة للعلوم، والتاريخ خير شاهد على ذلك. لقد وضع الإسلام نظامًا لم يكن معروفًا في أي مجتمع من المجتمعات، ولم يكن هذا النظام تطورًا طبيعيًّا أو غير طبيعى لأي نظام سابق عليه.
    إن نظام الحكم الإسلامي له أسسه وقوانينه الواضحة المستمدة من القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولأهمية الحكم في الإسلام فقد اهتم الإسلام ببيان ما على الحاكم والمحكوم، فحذر الحاكم من اتباع الهوى وشهوات النفس، قال تعالى: {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26]. وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49].
    وحذر الله -سبحانه- المحكوم من العصيان دون سبب مقبول شرعًا، قال تعالى:
    {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59].
    وحرص الإسلام على أن يسود العدل بين جميع الناس، وحذر من الظلم وعواقبه، حتى مع غير المسلمين، قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا} [النساء: 58]. وقال رسول الله (: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [مسلم].
    خصائص النظام السياسي في الإسلام:
    1- نظام عالمي:
    النظام السياسي الإسلامي نظام عالمي، استمد عالميته من عالمية الإسلام ذاته، ومن صلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان، فجعل للعلماء القادرين على الاستنتاج واستخراج الأحكام الحقَّ في الاجتهاد في تفصيل الأحكام وتوضيحها بالشكل الذي يحقق أهداف الإسلام، ويدور في إطار أحكام الإسلام العامة، وقد جاءت أحكام الإسلام في أسلوبين:
    الأول: أحكام تفصيلية محددة، تبين حكمها نصوص من القرآن واضحة الدلالة، لا خلاف في معناها، وأحاديث صحيحة من السنة وطرق أدائها، وهذه التعاليم لا
    مجال للاجتهاد فيها بالزيادة أو النقصان مثل بعض أحكام الصلاة والزكاة والحج والمواريث وغيرها.
    والثانى: أحكام جاءت من خلال الآيات التي يُختلف في تفسيرها، والأحاديث التي لم تثبت صحتها، أو ثبتت صحتها ولم يتفق العلماء فيها على معنى واحد، أو عبارة عن قواعد عامة في مجال المعاملات، وهذه من حق العلماء القادرين على الاجتهاد أن يبدوا الرأي فيها، بما يحقق مصالح المجتمع الإسلامي في زمن معين أو وضع معين، مع المحافظة على روح الشريعة، وتحقيق مقاصدها التي جاءت لمصلحة الناس.
    2- المشاركة بين الفرد والمجتمع:
    العلاقة بين الفرد والمجتمع في النظام الإسلامي علاقة مشاركة، فالإسلام لا يعترف بالفلسفات والمذاهب التي تجعل الفرد والمجتمع في صراع، وبعض هذه المذاهب يفضل جانب الفرد على المجتمع مثل الرأسمالية، وبعضها الآخر يفضل جانب المجتمع على جانب الفرد كما صنعت الشيوعية، أما الإسلام فهو يوازن بين الفرد والمجتمع، فهو يعترف بالمسئولية الفردية، أي مسئولية كل فرد عن أفعاله، قال تعالى: {ألا تزر وازرة وزر أخري. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 38-39]، ويشجعه على أن يتفاعل مع المجتمع، ويؤدي ما عليه تجاهه، من خير يحمله إليه، وشر يدفعه عنه، فالفرد عليه تبعات تجاه نفسه، وتجاه مجتمعه، ملزم بأدائها.
    وينظم الإسلام ذلك من خلال مبدأ المسئولية الاجتماعية، وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعرض الرسول ( لتوضيح هذه المسئولية الجماعية من خلال المثل الذي ضربه في حديثه: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا) [البخاري].
    وعلاقة الفرد بالحكومة، علاقة تعاون، فقد أعطى الإسلام الفرد حقوقه الأساسية، وألزم الحكومة باتباع القانون الرباني، وحمى الفرد من تدخل الحكومة في شئونه دون مبرر، قال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26].
    وربط الإسلام الفرد المسلم بضوابط أخلاقية، وفرض عليه طاعة الحكومة المسلمة التي تطبق شرع الله، وطلب منه التعاون معها والتضحية بالنفس والمال في سبيل حمايتها، قال (: (اسمعوا وأطيعوا وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي) [البخاري].
    3- الحكومة الإسلامية نابعة من المجتمع الإسلامي:
    فالإسلام لا يعترف بهيئة من خارج المجتمع الإسلامي تحكم الأمة عن طريق الاستيلاء على السلطة بالقوة وحكم الشعوب بالتسلط والقهر، قال تعالى: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].
    فقوله تعالى: (منكم) يحدد نوعية الحاكم والحكومة، وهي أنها حكومة إسلامية منا، وليست من غير المسلمين، قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء: 141].
    4 - التأثير المتبادل بين التعاليم والمبادئ:
    نظم الحضارة الإسلامية، الخلقي منها والاقتصادي والسياسي، كل منها يؤثر في الآخر ويتأثر به، فمثلاً بدون التعاليم والمبادئ الخلقية لا يؤدى النظام الاقتصادي دوره المنشود، ويصعب الوصول إلى ما يدعو إليه من تعاون وتكافل بين الناس، كما يسهل تسرب الفساد إلى الأجهزة السياسية وغيرها.
    5 - تميز نظام الحكم الإسلامي عن النظم الغربـية:
    فالنظم الغربية، تقوم على أساس الخضوع لحكم الأغلبية المطلقة -صالحة كانت أم فاسدة- فهي التي تشرع وتضع القوانين، وهي التي تحكم، أما في النظام الإسلامي، فالحاكم الحقيقي هو الله سبحانه، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} [يوسف: 40].
    وسلطة الشعب المسلم والحكومة الإسلامية محدودة بالعمل تبعًا لأوامر الله، عن رضا واطمئنان وثقة وحب ورغبة.
    خصائص الدولة الإسلامية
    والدولة الإسلامية تتميز بعدة خصائص منها:
    1- السير وفق قانون واضح المعالم:
    القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله (، هما أساس الدستور الإسلامي، وقد يدخل في هذا الدستور من القواعد العامة أشياء غير منصوص عليها في الكتاب ولا في السنة ومع ذلك يمكن إدخالها تحت قاعدة كلية من الكتاب والسنة.
    إن كل مُشَرِّع يضع القوانين التي تحمى مصالحه وتحقق أهدافه، أما في الإسلام فإن سلطة التشريع حق لله وحده، وهو لا يحابي أحدًا ولا يظلم أحدًا، ومن ثم فإن التشريع الإسلامي يتصف بالعدل، ويكره الهوى، ويتسم بالشمول.
    وعلى الإنسان أن ينفذ أوامر الله سبحانه، ويحكِّم كتاب الله وسنة رسوله فيما يقع بين الناس من خلاف، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بنهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} [النساء: 65].
    وغاية إقامة الدولة الإسلامية تنفيذ أوامر الله، وتحكيم شرعه بين الناس، ويتضح ذلك من تعريف العلماء لمنصب الخلافة أو الحكم، حيث يقولون: إن الخلافة نيابة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، أي أن الحاكم المسلم أو الخليفة يقوم بمهمته نائبًا عن رسول الله ( في تبليغ أوامر الله، والعمل بها، وإلزام الناس بالعمل بها، فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا.

    2- التقوى هي أساس التفاضل بين المسلمين:
    التقوى والعمل الصالح والخلق الحسن أساس التفاضل بين أبناء المجتمع المسلم، وليس السلطان أو الجاه أو المركز الاجتماعي، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. وقال (: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى والعمل الصالح) [أحمد].
    3- الوفاء بالعهود الداخلية والخارجية:
    وهذا من الخصائص اللازمة والضرورية للدولة الإسلامية، لإقرار الأمن وتحقيق السلام والاستقرار، قال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إنَّ الله يعلم ما تفعلون) [النحل: 91].
    وهذا فرض ومنهج حياة لا تجوز مخالفته، قال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) [الإسراء: 34]. وذلك لنشر السلام في كل أنحاء الديار الإسلامية، لقوله (: (أفشوا السلام بينكم) [مسلم]، ولا فرق في ذلك بين مسلم وذِمِّي من رعايا الدولة الإسلامية، لقوله (: (إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأمانًا لأهل ذمتنا) [البيهقي].
    وفي العلاقات الخارجية فالدولة الإسلامية تدعو إلى السلام، ما لم تُنْتهك حرمات الله أو يُعتدى على أرض المسلمين، قال تعالى:{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وتظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة: 8-9].

    أسس وقواعد الحكم في الحضارة الإسلامية
    1- حق الأمة في اختيار الحاكم وتقويمه:
    فالأمة صاحبة الحق في اختيار الحاكم ومبايعته، وفي الإشراف على سياسته وتصرفاته، ولها حق تقويمه إذا ابتعد عن طريق الصواب، وكل مسلم بالغ عاقل من حقه أن يشترك في بيعة الحاكم، وما يلزم في اختيار الحاكم هو اختيار أغلبية الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد وهم مجلس الشورى.
    وليس من الضرورى أن يكون هناك إجماع على شخص رئيس الدولة الإسلامية، فمن المعروف تاريخيًّا أن المسلمين جميعًا لم يجمعوا على اختيار حاكم، فالذين بايعوا الخلفاء الراشدين هم أهل المدينة، وبعض المسلمين من أهل مكة.
    ويُعزل الحاكم إذا ثبت عجزه وفساده، ولكن بعد أن يبذل له المخلصون من أبناء الأمة وعلمائها النصح بكل الطرق والوسائل التي ترده إلى الحق، فإن استجاب ورجع إلى الحق فلا ينبغي عزله، إلا إذا لم يستمع لنصح الناصحين وإخلاص المخلصين، وتعذر تعذرًا شديدًا إصلاح حاله، وظهر استخفافه بمصالح المسلمين، وعدم اهتمامه بما يحفظ على المسلمين حقوقهم وعزتهم وكرامتهم. وذلك بشرط القدرة على عزله دون حدوث فتنة تؤدي إلى ضرر يفوق الضرر من بقائه، فإن تأكد العجز عن عزله دون فتن مهلكة، فالصبر على ظلمه أولى.
    2- الشورى:
    فالشورى ركن أساسي من أركان الحكم الإسلامي، قال سبحانه: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]، وقال أيضًا: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38]، وكان ( يستشير أصحابه كثيرًا. وكذلك كان الخلفاء
    الراشدون -رضي الله عنهم- من بعده يستشيرون أهل العلم والخبرة في كل الأمور، كاختيار القواد، وتسيير الجيوش، وتوزيع الغنائم، كما كانوا يرجعون إلى الفقهاء في المسائل التي لا يجدون لها حكمًا ظاهرًا في الكتاب والسنة.
    وقد كون أبوبكر -رضي الله عنه- مجلس شورى يعرض عليه أي مسألة ليس فيها نص قرآني أو نبوي صريح، وكان عمر -رضي الله عنه- يمنع كبار الصحابة من الخروج من المدينة حتى يستشيرهم عند الحاجة.
    وهذه الشورى لا تكون في أمر فيه نص صريح الدلالة من كتاب الله أو سنة صحيحة، فهذه الأمور لا دخل للشورى فيها، فرسول الله كان يلتزم الشورى، ولكن في الأمور التي ليس فيها نص من كتاب الله، ولم ينزل الوحي يبين للرسول ( ما يفعله فيما وقع من المسائل، وتتحقق الشورى في مظهرين:
    الأول: اختيار الحاكم المسلم القادر على القيام بالمسئولية، ومبايعته على العمل بكتاب الله وسنة رسوله (، فإن تمت البيعة كان له السمع والطاعة دون ضغط أو إكراه.
    الثانى: عدم استبداد الحاكم بالسلطة، فمن حق كل مسلم أن يبدي رأيه بكل حرية، وبكل قوة في كل أمر من أمور الدولة، ومن واجب الحاكم أن يستمع إليه، ويستضىء برأيه إن كان فيه الصواب، هذا وإن كان لكل فرد أن يعبر عن رأيه فإنه لا يجب استشارة العوام في مهام الأمور، لأنهم لا يستطيعون تقدير الأمور تقديرًا صحيحًا، وإنما يستشار أهل الحل والعقد والحكمة فيمن توفرت فيهم شروط من يستشار، مثل العلم، والتقوى، والورع، وحسن التدبير، والتفكير.
    وأهل الحل والعقد: هم جماعة من الأمراء والحكام -والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء في كل المصالح، الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة.
    وقد ركز الإسلام على الشورى في نظام الحكم؛ لما لها من آثار طيبة على حياة الفرد والمجتمع، ومن هذه الآثار:
    - أنها تتفق مع ما قرره الإسلام من احترام للفرد والاعتراف بشخصيته في إطار مصلحة الجماعة.
    - أنها طريق مضمونة للوصول إلى أصح وأصوب الآراء في موضوع ما من الموضوعات التي تدخل في نطاق الشورى، وبالشورى يحترم الحاكم مشاعر المحكومين وحقوقهم؛ فهم شركاء في الحكم.
    -تحفظ حقوق الشعب، وتصحح مسار الحكام، وتضمن استقامتهم وحسن تدبيرهم لأمور الدولة.
    وبعد، فهذه هي الشورى الإسلامية، وهي الشورى الحقيقية التي تقوم على الحرية في إبداء الرأي، دون خوف أو إكراه.
    3- العدل:
    أمر الإسلام بالعدل، وجعله غاية الحكم الإسلامي وهدفه، والعدل هو: إعطاء كل ذي حق حقه كاملاً غير منقوص. وهذا العدل مسئولية الحاكم، وواجب من الواجبات المفروضة عليه، والأمة لها الحق في أن تحاسب الحاكم إذا ظلم أحدًا. ويشمل العدل كل الحقوق المتعلقة بالأرواح والأعراض والحريات والأموال، للمسلم وغير المسلم.
    وتحدثت كثير من الآيات في القرآن عن العدل، وحذرت من الظلم وعواقبه، قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم الله لعلكم تذكرون} [النحل: 90]، وقال رسول الله (: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [مسلم].
    ومن العدل أن يكون الناس أمام القانون سواء، فلا فرق بين شريف ووضيع، ولا غني وفقير، فالعدل يخضع له الجميع، وبذلك يكون العدل هو أساس استمرار الدول والحفاظ عليها، يقول ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
    ومن أجل أن يتحقق العدل فلابد له من قوة تحميه، ولا بد أن يكون حاكمًا لا خاضعًا، ولذلك نجد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحرص على جعل القضاء الذي يقيم العدل مستقلاً عن كل سلطة، حتى عن سلطة الحاكم، وصار ذلك مبدأ من مبادئ الحكم الإسلامي، فعندما تولى عمر الخلافة، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، عين لكل إقليم قاضيًا مستقلاً، ونظم السلطة القضائية وميزها
    عن غيرها.
    إن العدل يشعر المواطن بالأمن على ماله وعرضه وسائر حقوقه، ففي ظل العدل تختفي الجريمة، وينصرف كل إنسان إلى عمله، ويسهم في بناء مجتمعه وأمته، وبالعدل يجنى الإنسان ثمرة عمله وتعبه، وينطلق في ميادين التنافس الشريف في ميادين
    الخير، وبالعدل تتم المساواة، ويتفاضل الناس بحسب قدراتهم وجهدهم. إن الإسلام سبق كل الذين دَعَوْا إلى العدل، وأرسى دعائمه، وقد طبق العدل أروع تطبيق في حياة المسلمين.
    4- طاعة الحاكم:
    طاعة الحاكم هي إحدى قواعد الحكم الإسلامي، وذلك ما دام الحاكم منفذًا لحدود الله عز وجل، وما لم يأمر بمعصية، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].
    وعلى المسلم أن يسمع ويطيع للحاكم، فيما أحب وكره، إلا أن يأمر بمعصية، فإن أمر الحاكم بمعصية فلا طاعة له، قال (: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) [ابن ماجه].
    5- الحرية:
    لقد احترم الإسلام الحرية الفردية، فلم يكره أحدًا على أن يعتنق فلسفة معينة، ولم يُرغمه على أن يعيش حياته وفق نظرية محددة، بل إن لكل فرد في الدولة الإسلامية حريته الكاملة في أن يفكر وأن يختار أسلوب حياته، وأن يعبر عن رأيه بشرط ألاَّ يَحُدَّ من حرية الآخرين.
    وفي مجال العقيدة الدينية، فقد أعطى الإسلام لأفراد الدولة الإسلامية الحرية في اعتناق أية عقيدة، فمن حق أهل الكتاب الخاضعين للدولة الإسلامية أن يمارسوا شعائرهم دون أن يمنعهم من ذلك أحد، قال تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256]، وقال سبحانه: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]. وهذه هي كلمة عمر الخالدة التي قالها لعمرو بن العاص عندما تسابق ابنه مع أحد المصريين القبط فسبقه المصري، فضربه ابن عمرو بن العاص.
    فاشتكى هذا الشاب لأمير المؤمنين عمر، فاستدعى عمرًا وابنه، وأمر هذا الغلام أن يضرب ابن عمرو بن العاص أمام أبيه، وقال له: اضرب ابن الأكرمين. وقال لعمرو: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، وقد قرر الإسلام حريات أخرى كثيرة، مثل الحرية المدنية؛ وهي حرية الشخص في عقد العقود، وتحمل الالتزامات، وقد أقرها الإسلام لكل إنسان ما عدا الصبى والمجنون، ومن هذه الحريات؛ الحرية السياسية، وحرية التفكير، والحرية في الإسلام مشروطة بعدم التعدي على مبادئ الإسلام وعدم التعدي على حرية الآخرين.
    صفات الحاكم المسلم
    لقد شهدت الحضارة الإسلامية حكامًا عظامًا، أعظمهم رسول الله (، وهو القدوة في كل شيء، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21].
    وقد رأت الدنيا أجيالاً متتالية من الحكام المسلمين ممن اتبعوا آثار رسول الله (، وتربوا على سنته وما كان لهم في الأرض نظير، ولِمَ لا، وقد تعلموا ما قال الرسول (: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام الأعظم الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته) [متفق عليه]. وقد اتضح لهم أن مسئولية الحاكم عظيمة القدر؛ لأنها تتعلق بشئون الدين والدنيا، فلابد أن يكون أهلا لها بما يتوفر فيه من صفات تجعله ينهض بأعباء المسئولية على خير وجه.
    ومن أهم هذه الصفات:
    -اعتقاده أن السلطة تكليف وليست تشريفًا، فقد اختاره الشعب وبايعه بالرئاسة لكفاءته، وبايعه على السمع والطاعة، وجعلوه وكيلاً عنهم في حماية أمور الدين وتدبير شئون الحياة، ومن حق الشعب أن يراقبه ويحاسبه، أو يعزله إذا انحرف من خلال أهل العقد والحل. وعلى الحاكم المسلم أن يعلم أنها أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة، إذا لم يؤدِّ حقها، فقد قال أبو ذر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، ألا تستعملني (تولني إمارة)؟ فقال رسول الله (: (يا أبا ذر، إنك ضعيف إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها) [مسلم].
    -أن يكون ذكيًّا فطنًا عالمًا بأحكام الدين وقواعده العامة، وبذلك يستطيع تمييز الحلال من الحرام، فهو الأمين على مصالح الأمة والراعي لها، كما ينبغى له أن يكون على أعظم معرفة بأمور الدنيا، مثل الحرب والبيع والشراء، وعقد المعاهدات وغير ذلك.
    -أن يتصف بالصفات الحسنة، كالأمانة والعفة والكرم، وأن يبتعد عن كبائر الذنوب وصغائرها.
    -أن يلتزم مبدأ الشورى في تدبير أمور الأمة في الأشياء التي ليس فيها نص من القرآن أو السنة، فيستشير أهل الرأي والخبرة ليستفيد من عقولهم، وليستنير بحسن تدبيرهم.
    -وينبغي أن يكون سليم الحواس والأعضاء من نقص يمنع القيام بأعباء الحكم، فلا يكون له أمراض كالجنون والصمم والخرس، وفَقْد بعض الأعضاء، مثل اليدين والقدمين، وكل هذا مما يؤثر على عمله وقيامه به خير قيام، وهكذا ندرك أن الإسلام أعطى مكانة عظيمة للسياسة والحكم لما لهما من أهمية ونفع في تسيير أمور الحياة.




  14. #14
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    الجانب الاجتماعي في الحضارة الإسلامية




    كانت البشرية قبل مجيء الرسول ( تعيش في ظلمات كثيرة، وتتخبط في الجهل، وكثُرتْ الوثنية، ووصل عدد الآلهة التي تُعبد من دون الله إلى عدد لم تعهده البشرية من قبل، وانتشرت المفاسد والشرور والمساوئ الأخلاقية، وشمل الفساد كل بقاع الأرض، ثم شاء الله أن يرسل نورًا يزيل به ما على الأرض من ظُلمة، فأشرقت شمس الإسلام، وتغيرت الموازين، ودبت الحياة في العالم.
    وأقام الإسلام مجتمعًا متكاملاً، فبنى الفرد المسلم الصالح، فكان أساسًا لبناء المجتمع المسلم الصالح المترابط الذي يسير على منهج الله سبحانه، وكان لابد من تكوين مجتمع مسلم؛ ليحمل عبء هذه الدعوة مع الرسول (، والدفاع عنها بعد موته، ونشرها في كل أرجاء الدنيا.
    وقد انشغل الرسول ( في بداية الدعوة في مكة بتربية الفرد المسلم؛ كأساس لبناء المجتمع المسلم، وقد تمثلت جوانب هذه التربية في عدة أمور، هي:
    أولاً: تصحيح العقيدة:
    أخرج الإسلام الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد القهار، وإلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأخرجهم من عبادة المادة إلى عبادة الله، وأراد تحريرهم من التخلف العقلي والعقائدي، وترقيق مشاعرهم وأحاسيسهم، والسمو بها إلى أعلى منزلة، فوصل هذا الإيمان إلى أعماق قلوبهم، وحوَّل هذا الإنسان من الدفاع عن قبيلته وعشيرته إلى التفاني في سبيل الدفاع عن دينه وعقيدته، والعمل على نصر هذا الدين، والحرص على نشره، وتبليغه للناس ابتغاء مرضاة الله.
    فهذا الصحابي الجليل ربعي بن عامر يدخل على رستم -قائد الفرس- فلا يهتم بالزخرفة والزينة التي تحيط به، فيقول له رستم: ما جاء بكم ؟! فيرد عليه ربعي قائلاً: إن الله ابتعثنا لنخرج مَنْ شاء مِنْ عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جوْر الأديان إلى عدل الإسلام.
    ثانيًا: السمو الخلقي، والتخلق بأخلاق القرآن:
    كان كثير من العرب يفعلون الفواحش والمعاصي، وعندما جاء الإسلام ألبسهم ثوب العفة والطهر، فغضوا أبصارهم، واستقبحوا الفواحش والمعاصي، وذلك بفضل الضمير الحي الذي يراقب الله ويخشاه، والذي رباه القرآن في المسلم، فإذا غلبه الشيطان والهوى ووقع في معصية، عاتبه ضميره، وسرعان ما يتوب، ويطلب أن يقام عليه الحد إن كانت المعصية مما يوجب إقامة الحد.
    وكان العربي يحمل السيف ويعتدي على غيره بسبب وبغير سبب، وكانت الحروب تستمر بين العرب وبعضهم لفترات طويلة، فجاء الإسلام فحرَّم البغي والعدوان، ونشر الأمن والسلام، فصار الناس رحماء بعد أن كانوا معتدين.
    ثالثًا: التحاكم إلى الله ورسوله:
    كان العرب يتحاكمون فيما بينهم إلى شرائع توارثوها عن آبائهم، واحتكموا إليها بأهوائهم، فجاء الإسلام فأنهى تلك الفوضى، ورد الحكم إلى الله سبحانه، قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء: 65].
    رابعًا: المسئولية الشخصية والولاء للدين:
    أكد الإسلام على المسئولية الشخصية، واعتبرها أساس المسئولية في الإسلام، وقد كان العربي -قبل الإسلام- يناصر قبيلته سواء كانت ظالمة أو مظلومة، فلا يهمه هل هي على حق أم على باطل، فجاء الإسلام فعلَّم المسلم أن أساس الحساب أمام الله هو المسئولية الشخصية، وعلَّم الإسلام الإنسان أن يكون ولاؤه لدينه فقط، قال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [المائدة: 55 ـ 56] .
    خامسًا: تكريم المرأة:
    اعتنى الإسلام بالمرأة عناية كبيرة، ورفع مكانتها، وأعلى منزلتها، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: والله لقد كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل.
    مظاهر عناية الإسلام بالمرأة:
    1- قضى الإسلام على صور الزواج التي كانت عندهم، ما عدا الصورة الصحيحة التي عليها زواج الناس حتى الآن، لما في ذلك من تكريم للمرأة، وأنها ليست متاعًا لكل من أراده.
    2- حفظ الإسلام للمرأة مكانتها، فقد كانت تورث كما يورث المتاع، فكان الابن الأكبر يرث نساء أبيه، كما يرث أنواع الميراث الأخرى، فجاء الإسلام فحرَّم ذلك.
    3- لم يكن للمرأة عندهم ميراث، فلا ترث البنت من أبيها ولا الزوجة من زوجها، ولا الأم من ابنها، ففرض الله للمرأة ميراثًا، قال الله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيبا مفروضا) [النساء: 7].
    4- نهى الإسلام عن وأد البنات، (أي قتلهن أحياءً)؛ خوفًا من أن يأتين بالفقر أو بالعار.
    5- منح الإسلام المرأة حق التعليم، فقد كان النساء على عهد رسول الله ( يذهبن إليه، ليسألنه في أمور الدين، وكن يسألن أمهات المؤمنين، وكان النبي ( يخطب العيد للرجال، ثم يذهب إلى النساء يخطب فيهن. وجعل الرسول ( طلب العلم واجبًا في حق كل مسلم رجلاً كان أو امرأة. قال (: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [البخاري].
    6- أجاز الإسلام للمرأة أن تعمل إذا فقدت من يعولها ويعول أولادها، أو مرض هذا العائل، ولها ذرية ضعاف، لتنفق على نفسها وعلى أولادها، فإن لم تستطع الخروج، كان على الدولة أن تتكفل بها وبعيالها، وتعمل كذلك إذا احتاج المجتمع الإسلامي إلى عملها، إذ يصبح خروجها للعمل في هذه الحالة فرض عين عليها لا يحل لها التخلف عنه.
    7- وجعل الإسلام رضا المرأة شرطًا لصحة الزواج، فلا يستطيع أحد أن يجبر المرأة على أن تتزوج بمن لا ترضاه. قال (: (لا تُنكح الأيِّم (الثيب) حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن) [البخاري].
    8- ولم يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة على أساس النوع، إنما التفاضل بينهما فيما فضل الله به بعضهم على بعض، أما فيما دون ذلك، فالرجل والمرأة سواء لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97].
    مكانة المرأة في الحضارات الأخرى:
    ولكي تظهر مكانة المرأة في الإسلام، فلننظر نظرة سريعة إلى مكانتها في الحضارات الأخرى. كانت مصر هي البلد الوحيد الذي نالت فيه المرأة بعض حقوقها قديمًا، إذ كان للمرأة أن تملك، وأن ترث، وأن تقوم على شئون الأسرة في غيبة الزوج، ومع ذلك فقد كان الزوج هو السيد عليها، وكان ينظر إلى المرأة على أنها وسيلة للتمتع الجسدي تفوق ما سواها من إمكانات بنَّاءة خلقها الله في المرأة.
    وكانت المرأة عند الصينيين لا قيمة لها، ويسمونها (بالمياه المؤلمة)، وهي شَرٌّ في بيت الرجل يتخلص منه متى شاء، وإذا مات زوجها حبست في بيته للخدمة كالحيوان. وكانت المرأة في الحضارة الإغريقية لا قيمة لها، لذلك حبسوها في البيت خادمة للرجل، واعتبروها قاصرًا لا يحق لها التمتع بأي حق، ونظروا إليها على أنها رجس من عمل الشيطان، وكانت تقدم قربانًا للآلهة عند نزول المصائب بهم.
    وكان الهنود القدماء ينظرون إلى المرأة على أنها مخلوق نجس، إذا مات عنها زوجها حُرقت مع جثته بالنار، وكانت أحيانًا تدفن وهي حية، وإذا كانت زوجة فللزوج أن يفعل بها ما يشاء من سَبٍّ وضرب وشتم وغير ذلك.
    وكان حال المرأة عند الرومان كحالها عند اليونان، بل أقبح حالاً، فهي أداة للإغواء، وهي تُباع وتُشترى، ولزوجها عليها السيادة المطلقة، وللزوج أن يتزوج من النساء ما يشاء، وتتعرض لشتى أنواع التعذيب، وتكلَّف ما لا تطيق.
    وفي بلاد الفرس، كانوا يذلون المرأة ويُعدونها سبب انتشار الفساد، ولذا كانت تعيش تحت أنواع كثيرة من ظلم الناس، وتقع تحت سلطة الزوج المطلقة، فله أن يحكم بقتلها، وأن يتزوج من النساء غيرها ما يشاء دون قيد أو شرط.
    وكان اليهود يحمِّلون المرأة إثم إغواء آدم وإخراجه من الجنة، وهي عندهم في المحيض نجسة، وكل ما تلمسه نجس، ولهم الحق في بيعها وحرمانها من الميراث.
    وكانت المرأة عند النصارى وسيلة الشيطان، ويجردونها من العقل، وهي منكر، وكانت كنيسة روما تنفي وجود الروح في المرأة، وهي عندهم نجسة، وترتب على ذلك التحذير من الزواج بها، فلجأت النساء للأديرة وحياة الرهبنة، وكان هذا الوضع في العالم المسيحي حتى جاء عصر النهضة الحديثة.
    وكانت المرأة عند العرب قبل الإسلام جزءًا من متاع الرجل وثروته، وتورث كما يورث المتاع، والابن الأكبر يرث نساء أبيه، وليس لها ميراث، وفي حيضها تعزل عن كل شيء؛ لأنها تعد نجسة، وإذا مات عنها زوجها تدخل في مكان منعزل من البيت وتظل فيه عامًا كاملاً، لا تلبس إلا قديم الملابس، وكانت قمة امتهانها تتمثل في البغاء ونكاح المتعة وغيرها، ومن أقبح العادات عند العرب قديمًا قتل البنات وهن أحياء.
    سادسًا: المساواة بين الناس:
    كان العربي يؤمن بنظام الطبقات، وكانت نظرته للإنسان على أنه إما سيد وإما عبد، وكان يؤمن بالدم والنسب أساسًا للتفاضل بين الناس، فجاء الإسلام، وألغى نظام الطبقات، وجعل أساس التفاضل التقوى والعمل الصالح، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر أو أنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13].
    وقال النبي (: (يأيها الناس إن ربكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) [أحمد].
    سابعًا: العالمية:
    كان العربي يعيش في الجزيرة العربية ضعيفًا يخاف قوة الفرس والروم، ويقبل راضيًا مختارًا أو كارها أن يعيش في منطقة خاضعة للفرس أو الروم، فكان العربي ينظر إليهم نظرة رهبة، وقد عَبَّر عن ذلك عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قائلا: إنها الروم وبنو الأصفر حدُّ حديد، وركنٌ شديد.
    وقد كانت نظرة الفرس والروم للعرب نظرة احتقار وازدراء، وهذا ما عبر عنه أحد ملوك الفرس في الرسالة التي وجهها إلى جيش المثنى بن حارثة، قائد جيش المسلمين لغزو الفرس، قال فيها: إني قد بعثت إليكم جندًا من أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم.
    فجاءه رد المثنى بن حارثة: إنما أنت أحد رجلين، إما باغٍ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وفي الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير، فانزعج الفرس من كتابه هذا انزعاجًا شديدًا. إن الإسلام جعل العرب ينطلقون شرقًا وغربًا، يفتحون البلاد لنشر الإسلام وتكوين الدولة الإسلامية العالمية.
    التكافل الاجتماعي في الحضارة الإسلامية
    لقد وضع الإسلام نظامًا دقيقًا يحقق العدالة الاجتماعية بين المسلمين، ويشيع بينهم جوًّا من المحبة والمودة والرحمة والتعاون والإيثار. والمال من الأشياء الهامة التي لها دور رئيسي في تحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين، والإسلام لا يحارب الغنى، ولا ينتقص من ثروة الأغنياء، ما دامت هذه الثروة قد جاءت بطريق مشروع وأُدي حق الله فيها.
    وهناك كثير من التشريعات المرتبطة بإنفاق المال، وكلها تعمل على توثيق التعاون والترابط والمودة والمحبة بين المسلمين، ومن هذه التشريعات: الزكاة، والصدقات، فالزكاة والصدقات يخرجها الرجل طهارة لماله، وإحساسًا بأخيه المسلم الفقير، ومعاونة له على مشاق الحياة وإدخال السرور على قلبه، فتتحقق المودة بين الفقير والغني، وتختفي الأمراض القلبية من المجتمع من حقد وحسد، ومنها الكفارات، فهناك كفارات مالية، مثل كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وغيرهما.
    ومن الكفارات الإطعام الذي يوثق الحب والإخاء بين المسلم وأخيه، ومنها الولائم والهدايا والهبات والوصايا، وكلها أمور تقضي على الأنانية بين الناس، وتزيل الكراهية من النفوس، وتساعد على التعاون على البر والتقوى.
    ومنها كفالة اليتيم ورعاية الأرامل، فهذا اليتيم ليس له أحد يرعاه بعد فقد والديه إلا المجتمع المسلم والحاكم المسلم، فإذا نشأ هذا اليتيم في أحضان هذا المجتمع، ووجد من يرعاه ويتولاه حتى يقوى على رعاية نفسه؛ نشأ على حب هذا المجتمع، والتفاني من أجله، مستعدًّا للموت في سبيل الدفاع عنه والأرملة إذا وجدت من يرعاها ويتكفلها؛ أحبت مجتمعها، وشكرت الأيدي التي امتدت لها، وكان ذلك صيانة لها من الانحراف.
    وهناك أمور أخرى كثيرة، مثل الوقف والقرض والعارية، تحقق التكافل بين أفراد المجتمع المسلم، فالرجل الذي يوقف ماله لبناء مسجد أو مستشفي أو مدرسة، أو يوقفه لمساعدة أقربائه، إنما يحب مجتمعه ويضحي من أجله، ويحبه الناس ويذكرونه بالخير، وهذا المقرِضُ الذي يُقْرِض أخاه المحتاج ويعينه، ويساعده إنما يفرج عنه كُربة من كُرب الدنيا، وهذا الذي يُعير أخاه ما يحتاجه، ثم يسترده بعد الانتفاع به، إنما يشيع بينه وبين إخوانه المحبة والتعاون والإيثار.
    حرص الشريعة على سلامة المجتمع وطهارتهأكد الإسلام حرصه على سلامة المجتمع وطهارته ورقيه، وقد ظهر ذلك واضحًا من خلال بعض التشريعات الاجتماعية والأخلاقية، مثل:
    - المعاملات:
    أحلَّ الإسلام البيع، وفصَّل أحكامه وشروطه وأركانه، والحلال منه والحرام، فأحل منه ما كان المجتمع محتاجًا إليه وفيه نفعهم، وحرَّم ما كان ظلمًا وأكلاً لأموال الناس بالباطل، كما حرَّم الإسلام الربا لما فيه من أخطار ومضار كثيرة، فهو يسبب العداوة بين الناس، ويقضي على التعاون فيما بينهم، ويؤدي إلى وجود طبقة لا عمل لها إلا أن يتزايد مالها على حساب الآخرين.
    ومجَّد الإسلام العمل وحث عليه؛ لأنه وسيلة لإعمار الكون ورخاء الأمة، كما حث على القرض الحسن لمن احتاج إلى المال، وعمل على حفظ الدَّين بكتابته والإشهاد عليه، وحث المقترض على رد دينه، وأمر بضرورة الوفاء بالعهد واحترام العقود، كما أوجب الإسلام ضرورة إبداء شهادة الحق وعدم كتمانها، وحرم قول الزور، وحرَّم الغش في الكيل والميزان، وأمر بالعدل، وحث عليه، وجعله أساسًا من أسس الحكم في الإسلام، لما له من أثر في راحة الناس واطمئنانهم على حقوقهم.
    - الحدود والقصاص:
    لقد حرَّم الإسلام الإفساد في الأرض كسفك الدماء، وسرقة المال وغصبه، وانتهاك الأعراض، وقذف المحصنات، وقطع الطريق، وغيرها كثير، فجاءت الحدود الإسلامية لتكون مانعًا من ارتكاب هذا الفساد، وصونًا للمجتمع، فكان للسرقة حد هو قطع اليد، وللزنا حد هو الجلد مائة جلدة وتغريب عام من البلد إن كان غير متزوج، وإن كان متزوجًا فالرجم حتى الموت، وحد القتل العمد هو القصاص وهو قتل القاتل، إلا أن يرضى أهل القتيل بالدية فيأخذونها ويعفى عن القاتل، أو ما اصطلحوا عليه.
    ولا تقام الحدود إلا بالبينة والتثبت، والأصل أن تلغى الحدود بالشبهات، ومن الأمور المقررة أن القاضي إن أخطأ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة، كما أن إقامة الحدود من مسئولية الحاكم المسلم، وليس للأفراد إقامة الحدود إلا من ينيبه الحاكم منهم في إقامة الحد، فإن أقام الحد أحد الناس من تلقاء نفسه؛ عُزِّر لتعديه على حق من حقوق الحاكم، وحتى لا تعم الفوضى في البلاد، وتعزيره موكول للحاكم في حدود التعزير الذي قرره الشرع.
    كما أن الحدود تقام في ميدان عام يراها الناس، حتى يرتدع من يفكر فيما يوجب عليه حدًّا، ولنا في عهد الرسول ( العبرة والعظة، فلم تقم الحدود في عهده إلا ست مرات، نظرًا لتشبع القلوب والنفوس بقيم الإسلام وتعاليمه.
    - الآداب الاجتماعية:
    جاء الإسلام بآداب كثيرة ومتنوعة تحقق سلامة بنيان المجتمع المسلم، وتسهم في ترابطه وتعاونه مثل: إفشاء السلام، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والأخوَّة، والتزاور، والإصلاح بين الناس، والتواضع، والنصح للمسلمين.
    وحرَّم الإسلام أشياء لما لها من أثر سيئ في تفكك المجتمع وتنافره وانحلاله، مثل: الغيبة والنميمة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والاعتداء على الآخرين، والغش، والكذب، والخيانة، وشهادة الزور، والظلم، إلى آخر هذه الأمور المنهي عنها في كتاب الله وسنة رسوله .
    أسس بناء الدولة الإسلامية الأولي في المدينة
    إن أول مجتمع إسلامي تكوَّن وتربى على الإسلام هو ذلك المجتمع الذي رباه الرسول الكريم (، وهو المجتمع المثالي لأي مجتمع، وقد أقامه الرسول ( على عدة أسس، هي:
    بناء المسجد:
    لقد كان أول شيء قام به الرسول ( بعد قدومه إلى المدينة المنورة هو بناء المسجد، وقد كان للمسجد أثره الكبير في إقامة المجتمع الإسلامي على آداب الإسلام وتعاليمه، فلم يكن المسجد مكانًا لأداء الصلاة فقط، وإنما كان مكانًا للتربية وللعلم وللقيادة وللحكم وللمناسبات الإسلامية. فقد كان الرسول ( يعلم المسلمين في المسجد أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه.
    وكان ( يقضي بين الناس في المسجد، وكانت تُعقد فيه ألوية الحرب وتوجيه الرسل إلى الملوك، وإدارة شئون الدولة الإسلامية، وكان المسجد مكانًا لعلاج المرضى وإسعافهم سواء في وقت السلم أو الحرب، وهكذا يظهر دور المسجد في بناء الدولة الإسلامية وحضارتها.
    المؤاخاة بين المسلمين:
    لقد كان الأساس الذي أرساه الرسول ( لبناء المجتمع الإسلامي في المدينة، بعد بناء المسجد هو المؤاخاة بين المسلمين، وهو عمل بدأه بين مسلمي مكة قبل الهجرة.
    ولم يكن المهاجرون يملكون شيئًا بعد أن هاجروا إلى المدينة، فقد تركوا أموالهم وأولادهم في مكة، فآخى الرسول ( بين المهاجرين والأنصار، وقامت المؤاخاة على أسس مادية كالمشاركة في المال والثروة والتوارث فيها، بالإضافة للأسس المعنوية كالولاء والمناصرة، وظل هذا التوارث بسبب المؤاخاة قائمًا حتى غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة، عندما نزل قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75] فأصبح التوارث بسبب القرابة والرحم.
    وقد أحب الأنصار المهاجرين حبًّا شديدًا، وآثروهم على أنفسهم، فأثنى الله عليهم، قال تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 6]. وهذه المحبة التي قامت بين المسلمين كانت نعمة من الله عليهم، فقد جعلت المسلمين أسرة واحدة، ومجتمعًا واحدًا.
    المعاهدة بين المسلمين وغيرهم:
    أصبح سكان المدينة بعد المؤاخاة بين المسلمين جماعتين فقط: جماعة المسلمين، وجماعة غير المسلمين وأغلبهم من اليهود، فوضع الرسول ( دستورًا وميثاقًا للعلاقة بين المسلمين وغيرهم، وكانت هذه المعاهدة من أعظم المظاهر الحضارية في الحياة السياسية والاجتماعية التي جاء بها الإسلام لبيان الحقوق والواجبات التي على المسلمين وعلى غيرهم بصورة لم تعهدها شبه الجزيرة من قبل.
    الرسول ( القدوة:
    كان الرسول ( هو قائد المجتمع المسلم، وهو الحاكم القدوة، فكان الرسول ( يستشير أصحابه في كثير من الأمور، وكان يلتزم الشورى في كل أمر لم ينزل فيه وحي من عند الله، حتى قال أبوهريرة -رضي الله عنه-: (ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله () [الترمذي].
    وكان ( يمازح أصحابه ويداعبهم ويخالطهم، ويجيب دعوة الحر والعبد، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ويقبل عذر المعتذر، وكان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويساعد أهل بيته،.... إلى آخر صفاته الكريمة (.
    وقد نزل القرآن آمرًا الصحابة بالاقتداء بالرسول (، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21].
    ومن هنا اقتدى الصحابة بالرسول (، وبذلك تربى المجتمع الإسلامي الجديد على القيم والأخلاق، وبهذه الأسس الراسخة، وتلك القواعد الثابتة والقيم السامية والأخلاق الرفيعة، جاءت حضارة الإسلام، فأخرجت للعالم خير أمة أخرجت للناس.
    الأسرة في الحضارة الإسلامية
    الأسرة هي الدرع الحصينة التي تحمي صاحبها، ولا يكون الإنسان قويًّا عزيزًا إلا إذا كان في أسرة تحصنه. والأسرة التي ينشدها الشرع هي الأسرة الملتزمة بأوامر الله، والتي تكون نواة للمجتمع الملتزم بمنهج الله وشرعه.
    الزواج أساس تكوين الأسرة المسلمة:
    الزواج هو الطريق الشرعي الصحيح لتكوين الأسرة المسلمة، وقد حث الإسلام على الزواج وشجع عليه، قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}
    [الروم: 21].
    وقال الرسول (: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [متفق عليه].
    وللزواج فوائد كثيرة أهمها:
    - أنه وسيلة مشروعة للمحافظة على بقاء النسل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
    - المحافظة على الأنساب من الاختلاط، بسبب ما يترتب على النسب من حقوق وقواعد كالميراث، ومعرفة المحارم وغير ذلك.
    - المحافظة على المجتمع من شيوع البغاء والزنى واللواط.. تلك الأمراض التي تهدم المجتمع.
    - الزواج مسايرة للفطرة وعدم الانحراف عنها.
    وسوف يؤدي الزواج ثماره المرجوة إذا توافرت فيه النية الصادقة، والقدرة على نفقات الزواج. فالمسلم يبغي من زواجه أن يعف نفسه، ويحصن فرجه، ويكثر أعداد المسلمين، فعلى المسلم أن يصحح نيته في ذلك، فقد قال النبي (: (إن في بضع أحدكم صدقة)، قالوا: يا رسول الله، أيقضي أحدنا شهوته، ويكون له بها أجر؟). قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟). قالوا: نعم. قال: (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) [مسلم وأبوداود].
    ولقد وضع الإسلام كثيرًا من الضوابط، حتى يحقق الزواج ثمرته المرجوة، وهذه الضوابط هي:
    الخطبة قبل الزواج:
    والخطبة مجرد وعد بالتزويج، وقد أباح الشرع الحنيف لمن يريد الزواج من امرأة أن ينظر إليها، حتى يكون على بصيرة من أمره، إن كان ينظر إليها بقصد الخطبة، قال رسول الله (: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)
    [الترمذي والنسائي وابن ماجه]. إلا أن الخطبة لا تحل حرامًا كان قبلها، فما يزال كلا الخاطبين أجنبيًّا، فلا يجوز للرجل أن يخلو بمخطوبته، أو يخرج معها دون محرم، ولا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة أخيه.
    فعن أبي هريرة أن رسول الله ( قال: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب) [الجماعة]. أما إذا تقدم الرجل لخطبة امرأة، ولم يرد أهلها عليه، وتقدم غيره بدون علم؛ فقبلوا الثاني، فلا حرمة في ذلك. ويستحب إخفاء الخطبة، وذلك خشية إفساد المفسدين، أو ربما لا يوفق الله بينهما، ويترك كل منهما الآخر، فيسبب ذلك حرجًا للمخطوبة، بخلاف العقد، فإنه يجب فيه الإشهار والإشهاد.
    اختيار الزوجة:
    حثَّ الإسلام الشاب على أن يختار زوجته ممن تتوفر فيها عدة شروط، وهي:
    الدين: فقد كان النبي ( يحث على اختيار ذات الدين الملتزمة بتعاليم الإسلام وآدابه، قال (: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين) [الجماعة].
    حسن الخلق: وذلك لأنه لا يخفى على الإنسان أن بعض الصفات تنتقل إلى الأبناء بالوراثة، وكذلك بالتربية، فالبيت الملتزم يربي أبناءه على الالتزام والقيم الأخلاقية والطاعة.
    البكر: فقد روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن الرسول ( قال له: (تزوجت يا جابر؟). فقلت: نعم. قال: (أبكرًا أم ثيبًا ؟). قلت: بل ثيبًا. قال: (فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك). فقلت له: إن عبد الله (والد جابر) هلك وترك تسع بنات، وإني كرهتُ أن أجيئهن بمثلهن، فأحببتُ أن أجيء بامرأة تقوم عليهن، وتصلحهنَّ). فقال (: (بارك الله لك) [متفق عليه]. وإن كان الإسلام قد دعا إلى الزواج من البكر، فإنه لم يوجب ذلك، وقد تُفَضَّل المرأة الثيب على البكر أحيانًا كما ورد في حديث جابر السابق.
    الولود: لقول الرسول (: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم) [أبو داود والنسائي]. ومن عظمة الإسلام ورحمته، أنه إذا كان قد أمر بالزواج بالودود الولود، فإنه أمر بالإحسان من سواها، إذ لا ذنب لها في قَدَر قدَّره الله عليها، وربما كان لها من الخلق والقدرات والمواهب ما يفوق ما حرمت منه.
    اختيار الزوج:
    وكما وضع الإسلام للرجل أسسًا يختار على أساسها الزوجة، فإنه وضع أيضًا للمرأة أسسًا تختار على أساسها زوجها، فلابد أن يتوفر في الرجل جميع ما يجب توفره في المرأة، دون تفرقة بينهما، فينبغي أن تتوفر فيه الصفات التالية:
    - أن يكون رجلاً ذا دين.
    - أن يكون أمينًا ذا خلق.
    - أن يكون قادرًا على تحمل المسئولية.
    وهذه الصفات معلومة من حديث الرسول (: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلاَّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد) [الترمذي].
    ويستحب أن يكون الزوج متقاربًا في السن مع الزوجة، فقد خطب أبو بكر وعمر، -رضي الله عنهما- فاطمة، فقال الرسول (: (إنها صغيرة)، فخطبها علي، فزوجها له. [النسائي].


    حقوق الزوج على زوجته:
    ولكي تدوم المودة بين الزوجين، ومن أجل الحفاظ على الأسرة المسلمة، جعل الشرع الحنيف لكل من الزوجين حقوقًا على الآخر يؤديها إليه في رضا وسعادة، وحقوق الزوج على زوجته هي:
    - الطاعة: فيجب على المرأة المسلمة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به سرًّا وعلانية، ما لم يأمرها بمعصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقد سئل النبي (: (أي النساء أفضل؟ فقال (: (التي تطيع زوجها إذا أمر، وتسره إذا نظر) [أحمد].
    - إجابة دعوة الزوج لها إلى الفراش في أي وقت، فإذا دعا الزوج زوجته إلى فراشه فلم تجبه، غضب الله عليها.
    - ألاَّ تصوم صوم تطوع إلا بإذنه، قال رسول الله (: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه) [البخاري].
    - المحافظة على مال زوجها وعدم الإسراف فيه: لقول الرسول (: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا) [مسلم].
    - تربية الأولاد تربية إسلامية وتنشئتهم على الأخلاق الفاضلة، قال (: (كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها) [البخاري].
    - التزين والتجمل: فمن حق الزوج على زوجته أن تتزين وتتجمل له.
    وهناك، حقوق كثيرة، منها الوفاء للزوج، واحترام مشاعره، وشكر جميله، وحسن معاشرة أهله، والحداد عليه بعد وفاته، وإعانته على فعل الخيرات والطاعات من صيام وقيام وبر والديه، قال (: (رحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّتْ وأيقظتْ زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) [أبو داود]. وغير ذلك.
    حقوق الزوجة على زوجها:
    وكما أن للرجل حقوقًا على زوجته، فإن لها -أيضًا- حقوقًا على زوجها، وهذه الحقوق منها حقوق مالية وحقوق غير مالية، ومن هذه الحقوق ما يلي:
    - المهر: وهو حق خالص للزوجة، وهذا المهر لا حد لكثرته أو قلته إلا أنه تكره المغالاة في المهور، قال (: (إن أعظم النكاح بركة، أيسره مئونة) [أحمد].
    - النفقة: والمقصود بها أن يوفر الزوج لزوجته من الطعام والمسكن والدواء، وإن كانت غنية.
    - حسن معاشرتها، فإن أول ما يجب على الزوج لزوجته أن يعاشرها معاشرة حسنة، وأن يكرمها على قدر ما يستطيع، وأن يقدم إليها ما يؤلف قلبها ويقوي رابطة المحبة بينهما.
    ومن مظاهر كمال أخلاق المسلم أن يكون رفيقًا مع أهله، يقول الرسول (: (أكمل المؤمنين إيمانًا، أحسنهم أخلاقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا) [الترمذي].
    ومن إكرام المرأة تحمُّل ما يصدر منها، قال رسول الله (: (استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خُلِقنَ من ضِلَع أعوج، وإن أعوج شيء في الضِّلَع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا) [البخاري]. ومن حسن معاشرتها إدخال السرور عليها؛ لأن ذلك يولد الحب، ويشيع في الأسرة المسلمة جوًّا من المودة والرحمة، وقد كان الرسول ( يداعب أهله، ويسابق السيدة عائشة -رضي الله عنها-.
    - صيانتها والحفاظ عليها من كل ما يخدش كرامتها، وينبغي أن يكون الرجل معتدلاً في غيرته على أهله؛ حتى لا تفسد الحياة الزوجية وتتحول إلى عذاب، وتضيع الثقة بين الزوج وزوجته وتستحيل الحياة بينهما.
    - تعليمها أحكام دينها، وتحذيرها من المعصية، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6].
    - ألاَّ يفشي سرها،، وذلك لقول الرسول (: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها) [مسلم].
    - عدم الإضرار بها في أي أمر من الأمور.
    - ألا يدخل الرجل على أهله ليلا إذا أطال الغيبة، كأن يكون في سفر، إلا إذا أعلمها، وهذا من أسمى الآداب الإسلامية في معاملة الرجل لزوجته، وهو أدعى لاحترام مشاعر الزوجة، والثقة المتبادلة، وأدعى لدوام الحب والعلاقة الحسنة بينهما، قال رسول الله (: (إذا أطال أحدكم غيبته، فلا يطرق أهله ليلاً) [البخاري].
    - العدل بين الزوجات إن كان الزوج متزوجًا بأكثر من واحدة، قال (: (إذا كان عند الرجل امرأتان، فلم يعدل بينهما؛ جاء يوم القيامة وشقه ساقط) [الترمذي].

    الحقوق المشتركة بين الزوج وزوجته :
    -حق العشرة الزوجية واستمتاع كل من الزوجين بالآخر، فيحل للرجل من زوجته ما يحل لها منه.
    - حرمة المصاهرة؛ أي أن الزوجة تحرُم على أب الزوج وأجداده وأبنائه، وفروع أبنائه وبناته، كما يحرم الزوج على أمها وبناتها، كما يحرم عليه عمتها وخالتها ما دامت في عصمته.
    - ثبوت حق التوارث بينهما بمجرد إتمام العقد، فإذا مات أحدهما بعد إتمام العقد ورثه الآخر، وإن لم يكن قد دخل بها.
    - ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش.
    تعدد الزوجات:
    تعدد الزوجات ليس ظلمًا للمرأة، بل هو عدل ومراعاة لعادات وطباع كثير من الناس، فقد كان معروفًا في اليونان، وكانوا يبيحون تعدد الزوجات بلا حساب، وأباحه بعض البابوات لبعض ملوك النصارى بعد الإسلام، (مثل شارلمان) ملك فرنسا الذي كان معاصرًا للخليفتين المهدي والرشيد. وقد اختلفت عادات الناس في تعدد الزوجات، ولم يشذ عن إباحة التعدد إلا الأوربيون، واستبدلوا بتعدد الزوجات الشرعية، السفاح واتخاذ الأخدان.
    يقول الفيلسوف الإنجليزي (سبنسر): إن الزوجات كانت تباع في إنجلترا فيما بين القرنين الخامس والحادي عشر، وإنه حدث أخيرًا في القرن الحادي عشر أن المحاكم الكنسية سنَّت قانونًا ينص على أن للزوج أن ينقل أو يعير زوجته إلى رجل آخر لمدة محدودة حسبما يشاء الرجل المنقولة إليه، وشر من ذلك ما كان للشريف الحاكم من الحق في الاستمتاع بزوجة الفلاح عند عقده عليها أربعة وعشرين ساعة. هذا إلى غير ما كان في هذه الفترة من أحكام وقرارات جائرة ظالمة للمرأة وكرامتها، فأين هذا من تكريم الإسلام وحضارته السامية للمرأة، واحترامه لها ولكرامتها وحيائها وآدميتها!!
    أما بالنسبة لتعدد الزوجات في الإسلام، فإنه لم يترك هذا الأمر هكذا، بل قيده بعدد محدد وهو أربع زوجات، وبالقدرة على القيام بحقهن، وقيده بقيد أهم، وهو العدل بين الزوجات، فإن لم يستطع الرجل أن يعدل فواحدة، والإسلام لم يوجب التعدد، وإنما أباحه لأمور كثيرة منها:
    - استحالة العشرة بين الزوجين، فيتزوج الرجل وترضى زوجته بأن تعيش مع ضرتها، ولا ترضى بالطلاق.
    - عقم الزوجة، فيضطر الزوج إلى الزواج بأخرى رغبة في الولد.
    - في حالات الحرب حيث يكثر النساء، فيتزوج الرجل بأكثر من زوجة، حتى لا تكثر العوانس في المجتمع، ويؤدي ذلك إلى الرذيلة.
    - قد يكون الرجل ممن لا يصبرون عن النساء، والمرأة في حالة حيضها ونفاسها ومرضها لا يحل للرجل أن يأتيها مما قد يعرضه للوقوع في الفاحشة، فكان الأحسن والأليق بحاله أن يباح له الزواج بأخرى دفعًا للمضرة، والإسلام حينما أباح التعدد إنما أباحه لهذه الضرورات وغيرها مما يرفع عن المسلمين الحرج. والخلاصة أن الإسلام أتى في هذه المسألة بالكمال الذي لابد أن يعترف به دعاة المدنية الغربية وغيرهم مهما طال عنادهم.



    تربـية الأبناء في الحضارة الإسلامية
    الأبناء نعمة من الله تعالى تستحق الشكر، وشكر نعمة الله في الأولاد يكون بتربيتهم تربية إسلامية صحيحة على المبادئ والأخلاق والقيم، قال (: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه) [البخاري].
    حقوق الأبناء على الآباء:
    اهتم الإسلام بتربية الأبناء اهتمامًا كبيرًا، وجعل على الآباء لأبنائهم حقوقًا، كما جعل للآباء على أبنائهم حقوقًا، وهذه الحقوق هي:
    - اختيار الأم الصالحة: فينبغي أن يختار الأب لأبنائه أمًّا صالحة تقوم على تربية أبنائه تربية صحيحة، بحيث يكون هؤلاء الأبناء قادرين عل حمل أمانة الإسلام، والوصول بها إلى غايتها، والدفاع عنها.
    - دفع الضرر عنه، وله صور منها: التأذين في أذن المولود اليمنى وإقامة الصلاة في أذنه اليسرى. فعن أبي رافع عن أبيه قال: (رأيت رسول الله (، أذَّن في أذن الحسن بن علي -حين ولدته فاطمة- بالصلاة) [أبو داود والترمذي]. هذا سوى ما يجب على الوالد من الدفاع عن ولده وحمايته من أي خطر قد يتعرض له في دينه أو دنياه.
    - تسميته اسمًا حسنًا حين ولادته، وقد بين رسول الله ( أن أحسن الأسماء عبد الله، وعبد الرحمن، حيث قال: (إن أحسن أسمائكم إلى الله
    عبد الله، وعبد الرحمن) [مسلم].
    وحذر الإنسان من أن يختار لابنه اسمًا قبيحًا، فالإنسان يتضرر بالاسم القبيح ويتأذى به، كما أنه يستبشر بالاسم الحسن؛ ولما في ذلك من اقتداء بالأنبياء والصالحين.
    - شرع الإسلام العقيقة عن الولد يوم السابع من ولادته إن تيسر ذلك، ويُذبح عن الولد شاتان، وشاة عن البنت، ويدعي إليها الفقراء والمساكين والأقارب والصالحون والأصدقاء، وذلك لزيادة الترابط بين المسلمين، وزيادة المحبة والأخوة، ودفعًا للأذى عن هذا الطفل، ويُسَنُّ حلق شعره قبل العقيقة.
    - ختان المولود: لقول رسول الله (: (الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وقص الشارب) [البخاري]. ويختن الطفل قبل بلوغه السابعة.
    - النفقة والواجبات المالية: النفقة واجبة على الأب لأبنائه ذكورًا كانوا أو إناثًا ما داموا في كفالته، وذلك حتى لا يتركهم يتعرضون للضياع والانحراف، قال رسول الله (: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يعول) [أبوداود].
    - العدل بين الأولاد، فتفضيل بعض الأبناء على بعض يؤدي إلى إثارة الحقد والحسد والبغض؛ مما يضر بالترابط الأسري، الذي صانه الإسلام، وحافظ عليه بكل السبل.
    - حق التربية والتعليم، فتربية الأبناء تربية سليمة أمانة في عنق الوالدين، قال رسول الله (: (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، حفظ أم ضيع) [الترمذي].
    حقوق الآباء على الأبناء:
    فرض الإسلام على الأبناء طاعة الوالدين، والإحسان إليهما، وحسن صحبتهما، قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريمًا. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} [الإسراء: 23-24]. وسئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين، فقال: ألا تقوم إلى خدمتهما وأنت كسلان. وقيل: ألا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر إليهما شزرًا (باحتقار)، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر أو باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا.
    ونهى الإسلام عن عقوق الوالدين، قال رسول الله (: (ألا أخبركم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين) [الترمذي].
    ومن تكريم الإسلام للأم، واعترافًا بمكانتها ودورها أن جعل حقها في البر أكبر من حق الأب، فقد جاء رجلٌ إلى رسول الله ( يسأله: يا رسول الله: من أَبِرُّ ؟ قال: (أمك)، قال: ثم من ؟ قال: (أمك)قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال (أباك، ثم الأقرب فالأقرب) [الترمذي].
    الترويح في الأسرة المسلمة
    الأسرة المسلمة تروح عن نفسها باللعب واللهو المباح، فقد سابق النبي ( السيدة عائشة فسبقته، فسابقها مرة أخرى فسبقها، وقال لها: (هذه بتلك) [أبو داود].
    وكان ( يداعبها، ويقول لها: (إني لأعلم إذا كنت عليَّ راضية، وإذا كنت عليَّ غضْبى؟). قالت: وكيف يا رسول الله؟ قال: (إذا كنت عليَّ راضية قلت: لا ورب محمد، وإذا كنت على غضبى قلت: لا ورب إبراهيم). قالت: أجل والله، ما أهجر إلا اسمك. [متفق عليه].
    وقدم وفد الحبشة على رسول الله (، فقاموا يلعبون في المسجد، وروت ذلك السيدة عائشة، فقالت: (فرأيت رسول الله يسترني بردائه، وأنا أنظر حتى أكون أنا التي أسأم) [البخاري] .
    وكانت جاريتان تلعبان في المسجد، وعائشة -رضي الله عنها- تنظر من فوق كتف رسول الله (، فقال (: (لتعلم يهود أن في ديننا فسحة؛ إني بعثت بحنيفية سمحة) [البخاري].
    ويقول حنظلة بن الربيع-رضي الله عنه- كنا عند رسول الله (، فوعظنا فذكر النار، ثم قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت
    المرأة. فخرجت فلقيت أبا بكر؛ فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله (. فقلت: يا رسول الله، نافق حنظلة، فقال: (مه (أي: اسكتْ))، فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: (يا حنظلة، ساعة وساعة، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق) [مسلم]. ومن اللهو المباح أيضًا في الأسرة المسلمة ما يحدث في حفلة العرس من ضرب بالدف، وإنشاد الأناشيد الإسلامية التي تحث على مكارم الأخلاق، كما في ذلك من إدخال السرور على الزوجين.
    رعاية الإسلام لأقارب الزوجين
    إن حرص الإسلام على الأسرة لم يقصره على الزوجين والأبناء، بل جعله عامًّا لكل ذي رحم. وأقارب الزوجين أهل للأسرة الناشئة، فأم الزوج في مقام أم الزوجة، وأم الزوجة في مقام أم الزوج، لذلك حث الإسلام الزوج على البر بأهل الزوجة، وحث الزوجة على البر بأهل زوجها، وذلك التواد والتراحم ينمي قوة الترابط والتماسك الأسري. هذه هي بعض أسس الحضارة الإسلامية في مجال الأسرة المسلمة، التي تميزت به عن غيرها من الحضارات.
    وإذا نظرنا إلى الأسرة في مدنيَّة الغرب المعاصرة نظرة سريعة، وجدنا هذه المدنية لا تحافظ على قدسية الأسرة وسلامتها كما حافظ عليها الإسلام، وحاطها بسياج من العفة والطهارة، فتشيع عندهم الفاحشة، ويكثر أولاد البغاء والزنى.
    ومما يُحزن القلب أن المسلمين في ظل ضعفهم الحضاري تلقوا تعاليم الغربيين، ونظرياتهم في كثير من الأمور والأنظمة، فتعرض نظام الأسرة في المجتمعات الإسلامية لخطر التفكك والانحلال الذي ظهرت عواقبه السيئة، في سلوك كثير من الشباب، وتنكر كثير منهم لتعاليم دينهم، وظهرت في حياة كثير من أسر المسلمين سلوكيات لا تتفق مع قيم الإسلام، وتناقض ما جاءت به الحضارة الإسلامية من مبادئ سامية في مجال الأسرة المسلمة، في الوقت الذي بدأ فيه الغربيون وأعداء الإسلام يأخذون بنظم الإسلام في مجال الأسرة لما رأوا فيه من الخير لبناء المجتمع وتماسكه




  15. #15
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    الجانب الاقتصادي في الحضارة الإسلامية






    المال من أهم مقومات الحياة، جعله الله أداة لتيسير حياة الإنسان ومعيشته واستقراره، وجعله الله زينة من زينة الحياة الدنيا، فالإنسان مفتون به، مشغول بجمعه، قال تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14].
    وهذا الشغف بجمع المال قد يدفع الإنسان إلى عدم تحري الحلال في جمع المال، وبالتالي يصبح هذا الإنسان عبدًا للمال، ذليلاً له، كما أن ضعفه أو عجزه عن مقاومة شهواته وغرائزه قد يدفعه إلى إنفاق المال بصورة قد تضرُّ به وبمجتمعه، فوضع الإسلام ضوابط للكسب والإنفاق، وبين أن الناس مسئولون عن أموالهم وطرق إنفاقها، وحذرهم من انشغالهم بها عن آخرتهم أو افتتانهم بها، فجاء هذا بارزًا في قوله (: (لا تزولُ قدما عَبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ: عن عُمْرِهِ فيمَ أفناه، وعن علمِه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه) [الترمذي].
    وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9]، وقال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} [التغابن: 15].
    وهناك أمور ينبغي على المسلم أن يعرفها عن المال، وهي:
    1- أن هذا المال شأنه كشأن غيره مما في هذا الكون ملك لله.
    2- هذا الكون بما فيه من مالٍ وغيره مسخر للإنسان تكريمًا له.
    3- المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، فإن أحسن التصرف فيه؛ فله خير الجزاء، وإن أساء التصرف فيه؛ فحسابه على الله.
    4- المال هو وسيلة لحياة كريمة عزيزة، لا غاية يسعى الإنسان لتحقيقها، ويضيع عمره من أجلها، فالمسلم الحق لا يدع حب المال يستبد به، بل يجمع المال من حلال، وينفقه فيما يحب الله.
    5- المال الذي اكتسبه صاحبه من طريق حلال ملك له ملكية خالصة، يجب أن يحافظ عليه، ولا يجوز لأحد التعدي عليه.
    وبناء على هذه المبادئ والأسس السابقة يكون للإنسان الحق في التصرف في ماله كسبًا وإنفاقًا وإدارة، وهي حقوق مترتبة على ملكية الإنسان للمال الذي جاء من طريق شرعي.
    الطرق المشروعة في كسب المال
    على المسلم أن يتحرى الحق والصواب في طلب المال، ومن هذه الطرق المشروعة:
    - العمل الشريف: مثل الزراعة والصناعة والتجارة والوظيفة والحرفة، وغيرها، فممارسة العمل الشريف حماية للإنسان من التعطل وتوجيه لطاقته من أجل البناء والتعمير والتنمية، واستخراج خيرات الأرض، استجابة لأوامر الله.
    وقد عمل ( والصحابة من بعده، فهذا أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- يعمل بيده لينفق على نفسه، حتى طلب منه المسلمون التفرغ للخلافة وأمور المسلمين. وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: إني لأرى الرجل ليعجبني قوله؛ فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني.
    - الميراث: وذلك بأن تنتقل ملكية المال إلى ورثة المتوفى، طبقًا للقواعد الشرعية المقررة لهذا الميراث.
    - الهبة: وهي أن يتنازل الإنسان عن بعض ماله إلى غيره دون مقابل، فتنتقل ملكية هذا المال إلى هذا الغير.
    - الوقف: ويكون بحبس المال الحلال على بعض أوجه الإنفاق الشرعية، ولا يتصرف في أصله، والوقف قد يكون على الأهل والأقارب ومن بعدهم الفقراء، وقد يكون الوقف على أبواب الخير، مثل: بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى أو ما سوى ذلك من المشاريع الخيرية.
    - الوصية: وهي أن يهب الإنسان إنسانًا آخر جزءًا من ماله لا يتجاوز الثلث، يأخذه بعد موت الموصي.
    - غنائم الحرب: وهي المال الذي يؤخذ من أعداء الإسلام نتيجة الحروب، وقد أحل الله الغنائم للمسلمين.
    - الفىء: وهو المال الذي يؤخذ من أعداء الله نتيجة استسلامهم، ولا يبذل المسلمون في ذلك مشقة، ولا يتكلفون فيه قتالاً.
    الطرق المحرمة في اكتساب المال حرم الإسلام بعض الطرق التي يكتسب بها المال، وهي:
    الربا: حرم الله الربا بكل صوره، قال تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275]، وقال (: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديْه وكاتبه) [مسلم وأصحاب السنن].
    الاحتكار: وهو حرام لقوله (: (من احتكر فهو خاطئ (آثم)) [مسلم وأبو داود وابن ماجه].
    العدوان: فلا يجوز للمسلم أن يعتدي على مال الآخرين ليأخذه، قال الله تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190].
    الرشوة: فالمسلم الذي يحصل على ماله من طريق الرشوة آثم عند الله تعالى، قال الرسول (: (لعن الله الراشي والمرتشي) [أبو داود والترمذي].
    الغش: فاكتساب المال من طريق الغش حرام لا يجوز، قال (: (من غَشَّ فليس منا) [مسلم وأبوداود].
    وعلى المسلم أن يبتعد عن الشبهات، لقول رسول الله (: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) [متفق عليه].
    استثمار المال
    المال له أهمية عظيمة في إنعاش اقتصاد الدولة، وفي رفع مستوى معيشة الأفراد، والتخفيف من المعاناة التي يحس بها الإنسان، وقد كان أصحاب النبى ( يعملون في التجارة وغيرها ويربحون ربحًا حلالا.
    وعندما هاجر النبى ( إلى المدينة وهاجر أصحابه- تاركين أموالهم من خلفهم- آخى ( بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين وسعد بن الربيع من الأنصار، فعرض سعد على عبد الرحمن أن يأخذ نصف ماله، فقال عبد الرحمن لأخيه: بارك الله لك في مالك وأهلك، ولكن دُلَّني على السوق. فدله على سوق بني قينقاع، فذهب إليه، وتاجر حتى كثر ماله وصار من أغنياء المسلمين، فكان ينفق ماله في سبيل الله، قال (: (نِعْم المال الصالح للرجل الصالح) [أحمد]. ويُستثمر المال في الزراعة والصناعة والبناء، وغير ذلك مما فيه عمارة الأرض وصلاح الإنسان، أما أن يُستثمر المال في تجارة محرمة أو أمر فيه ضرر على الأمة فهذا ما لا يبيحه الإسلام.
    الحقوق في المال جعل الله المال لتيسير الحياة على الناس، وأمرهم بالاستمتاع بالطيبات في اعتدال بلا إسراف ولا تبذير، لأن الله حرَّم ذلك، فقال سبحانه: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31]، وحرم الله كنز المال لغير مصلحة، وذم البخل به دون سبب؛ لأن في ذلك تعطيلاً لمصالح المسلمين، وتعسيرًا على الناس، قال تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} [النساء: 37].
    والزكاة حق معلوم في المال، وهي تُؤخذ من الأغنياء وتُعْطَى للفقراء بقواعد حددها الشرع، وقد حدد الإسلام مصارف هذه الزكاة، والمستحقين لها، فقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة : 60].
    وقد حدد الشرع الأموال التي تجب فيها الزكاة ومقدار ما يجب إخراجه من كل صنف، ومنها: النقدان (الذهب والفضة)، والحيوان (الإبل والبقر والجاموس والغنم والخراف والماعز)، والزروع، وعروض التجارة، وزكاة الرِّكاز (وهي ما يُستخرج من باطن الأرض مثل البترول والمعادن).
    والزكاة شعار ورمز لوحدة المسلمين، وهذه الوحدة مطلب أساسي من مطالب الإسلام، يقول رسول الله (: (مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى فيه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) [متفق عليه].
    والزكاة واحدة من تشريعات كثيرة تعمق المحبة بين المسلمين؛ لأنها تطهير لمال الغني وحفظ له من التلف، وإحساس بالواجب نحو فقراء المسلمين، وهي كذلك تقضي احتياجات الفقراء، وتدفع عنهم أعباء الحياة ومشاقها، كما أنها شكر لله على نعمته.
    وإيتاء الزكاة يقضي على الأمراض الاجتماعية الخطيرة، مثل: الحقد، والحسد، والبغضاء، وهي تضر بالمجتمع وبالفرد معًا.
    وإذا لم تكفِ الزكاة لسد حاجة الفقراء وكسوتهم، فإنه يؤخذ من أموال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء ويسد رمقهم، ويؤمِّنهم من الخوف، وهذا الحق مقداره أن تُكْفى حاجة الفقراء، قال (: (إن في المال حقًّا سوى الزكاة)، ثم تلا هذه الآية {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [الحديث رواه الترمذي].
    كما اتفق الفقهاء على أنه عند حدوث الكوارث مثل هجوم عدو على ديار المسلمين، ولم تستطع الدولة رد هذا العدوان لعدم وجود المال، فإنه يجب على الأغنياء أن يُخرجوا من أموالهم ما يكفي لإعداد الجيوش، ولو دفعوا زكاة أموالهم كلٌّ حسب درجة غناه. قال الإمام مالك: يجب على الناس فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك كل أموالهم. مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام لقد عالج الإسلام الفقر من عدة جوانب، منها:
    1- الحث على التكسب وطلب الغنى، وبيَّن أن الفقر في أحيان كثيرة خطر على المجتمع، يمنع استقراره، ويجعل للرذيلة والفساد مكانًا فيه، وأوجب إخراج الزكاة، وجعلها حقًّا للفقير لا يحق له أن يترك المطالبة به، ولا يجوز للغني منعه، بل يُعاقب إن فعل ذلك، وأصرَّ عليه كما فعل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة.
    2- جاء الإسلام بقاعدة أن المال مال الله، وأن الأغنياء ليسوا ملاكًا للمال حقيقة، وإنما هم مستخلفون فيه، وهو أمانة من الله عندهم، قال الله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7].
    3- توفير فرص العمل للقادرين، فالدولة المسلمة عليها مسئولية وواجبات تجاه القادرين على العمل، فهي مسئولة عن توفير فرص العمل لهم، جاء رجل من الأنصار إلى النبى ( يسأله مالاً، فقال له النبى ( : (أما في بيتك شيء؟). قال: بلى، حِلْسٌ نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقَعْبٌ نشرب فيه الماء. قال: (ائتنى بهما). فأتاه بهما؛ فأخذهما رسول الله (، وقال: (من يشترِي هذين؟). فقال رجلٌ: أنا آخذها بدرهم. قال: (من يزيد على درهم، مرتين أو ثلاثًا)، قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: (اشترِ بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا؛ فائتني به)، ففعل الرجل ما أمره به الرسول ( وأَحضر قدومًا، فشدَّ رسول الله ( عودًا بيده، ثم قال: (اذهب واحتطب وبعْ، ولا أرينَّك خمسة عشر يومًا)، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا. فقال رسول الله (: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع (شديد)، أو لذي غرم مُفظِع، أو لذي دم موجع) [أبو داود والترمذي وابن ماجه].
    فالإسلام لا يعرف عاطلاً، قال الرسول (: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) [البخاري]. وقد جعل القرآن الكريم العامل الذي يكسب رزقه من عمل شريف، مساويًا للمجاهد في سبيل الله في الفضل، قال تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20]. وعلى الدولة المسلمة أن تعين العاجزين عن العمل إن احتاجوا إلى إعانة، وأن تمدهم بالمال إن احتاجوا إليه، وإن عجزت الدولة عن توفير فرص عمل شريف لهم.
    4- كفالة العاملين بالدولة: فعلى الدولة المسلمة أن توفر الرعاية الاجتماعية للقادرين على العمل من أبنائها، فقد ورد أن رسول الله ( ذكر أن من كان من عُمَّاله وليس له زوجة فليتخذ زوجة، ومن ليس له خادم فليتخذ له خادمًا، ولم يكتفِ الرسول ( بهذا، بل بين أنه على العمال أن يطمئنوا على أهليهم، فمن ترك مالا فلورثته، ومن ترك أولادًا صغارًا ضعافًا، فإن على ولي الأمر أن يرعاهم ويتكفلهم.
    مبادئ الاقتصاد الإسلامي للاقتصاد الإسلامي مبادئ تحفظ له صلاحية تطبيقه في المجتمعات على مر العصور، منها:
    أولا: لم يجعل الإسلام الغنى حاكمًا أو متسلطًا، كما كان الحال من قبل، وليس معنى هذا أن الإسلام يحرِّم على الغنى أن يكون حاكمًا أو أميرًا أو واليًا، ولكن الغنى ليس المقياس الأوحد للحكم.
    ثانيًا: اهتم القرآن بتوجيه المسلمين إلى مصادر الثروة المختلفة، سواء منها ما اتصل بالصناعة أو الزراعة أو الصيد أو استخراج المعادن أو البترول، وما سوى ذلك، قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} [الحديد: 25]. وقال: {أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 63 - 64]. وقال: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [النحل: 14].
    ثالثًا: عرف الإسلام نظام الملكية العامة والملكية الخاصة، وبين أن هناك أشياء لا يجوز أن يملكها الأفراد، وهي التي لا يستغني عنها فرد من أفراد الدولة الإسلامية، وهذه الأشياء تختلف حسب البيئات والظروف، وقد أشار الرسول ( إلى ثلاثة منها وهي: الماء والكلأ والنار، لأنها هي التي كانت منتشرة في البيئة الصحراوية التي كانت في مهد الإسلام.
    وهذه الأشياء الثلاثة يمكن أن يقاس عليها غيرها مما يشبهها، فقد جعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الأرض المفتوحة بالعراق ملكًا عامًّا للدولة، واسترد الإمام علي والخليفة عمر بن عبد العزيز ما منحه الخلفاء قبلهما كهبات لبعض الناس وتم إعادتها للملكية العامة، حتى يكون النفع بها أعم للناس جميعًا، وليس مقصورًا على آحاد الناس.
    وقد أقر الإسلام الملكية الفردية، وشجع عليها، وحرسها للمالك، واتفق بذلك مع فطرة الإنسان وغريزته التي جُبِلت على حب التملك، ولم يقيدها إلا بأن تكون من مصادر مشروعة، وأن تؤدي ما فيها من حقوق كالزكاة وغيرها، ويهدف الإسلام من وراء ذلك إلى جعلها ملكية مقيدة وليست مطلقة، وجعلها وظيفة اجتماعية يعود نفعها على المجتمع، وإلا تمَّ أخذها من ذلك الذي أساء التصرف فيها، وأسندها إلى من يديرها إدارة تناسب مصلحة المجتمع حتى يعود ذلك المسىء إلى الحق والصواب.
    رابعًا: يرفض الإسلام أن تكون الملكيات الكبيرة في أيدي فئة قليلة، إذا لم يخرجوا منها حق الله؛ وذلك حتى لا تتسع الهوة بين الأغنياء والفقراء، قال تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7].
    خامسًا: أجاز الإسلام التفاوت بين الناس في الملكية على أساس التفاوت بينهم في الجهد والعمل والمواهب. قال تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل: 71].
    سادسًا: جعل الإسلام في مال الغني حقوقًا للفقير، قال تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات: 19].
    سابعًا: أوجب الإسلام على الحكومة المسلمة أن تدافع عن الفقراء إذا حدث لهم أي ظلم من جانب الأغنياء، وقد قاتل أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- مانعي الزكاة لما في ذلك من مخالفة لحكم الإسلام وظلم للفقراء وهدم لحقوقهم.




  16. #16
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    الجانب العسكري في الحضارة الإسلامية




    مفهوم الجهاد ومكانته في الإسلام
    الجهاد هو بذل الجهد في الدفاع عن محارم الإسلام ضد أعدائه، وأعلى الجهاد وأشرفه الجهاد بالنفس والمال في سبيل الله، وهو فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل سليم الجسد، إذا احتاج الجهاد إليه، كأن يُحتل بلد إسلامي، وإلا فهو فرض كفاية، إذا قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن الباقين.
    وللجهاد مكانة سامية في الإسلام، فهو ذروة سنام الإسلام، وهو التجارة الرابحة مع الله، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} [الصف: 10-12].
    وهذا المعنى فهمه أصحاب رسول الله (؛ فعندما اقترب المشركون من المسلمين في غزوة بدر، قال ( لأصحابه: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض). فقال عمير بن الحِمَام الأنصارى: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم)، قال: بَخٍ بَخٍ (حسنًا حسنًا). فقال الرسول (: (وما يحملك على قول بَخٍ بَخٍ ؟). قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (فإنك من أَهْلِهَا). فأخرج عمير تمرات من جرابه، وجعل يأكل منها، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم ألقى التمرات، وقاتلهم حتى قُتل. [مسلم وأحمد].
    والجهاد الإسلامي لا مكان فيه للعدوان على حق الآخرين في العقيدة، ولا في الحياة، وليس فيه إهدار لأي حق من حقوق أي إنسان، إنما هو جهاد من أجل الدين، من أجل أن تصل رسالة الله إلى الأرض كلها، وهو جهاد لمن يقف أمام تبليغ كلمة الله إلى الدنيا بأسرها قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193].
    وهكذا نرى أن الجهاد في الإسلام للدفاع عن العقيدة سواء كان المسلمون يقاتلون عدوًّا اعتدى على بلادهم ومقدساتهم، أو كانوا يحاربون من عادى دعوة الله تعالى وصدَّ الناس عنها، فوجب قتالهم لتصل الدعوة إلى الناس، وبعدها يبقى الناس أحرارًا في الدخول في الإسلام أو البقاء على دينهم الأول فلا إكراه في الدين.
    أنواع الجهاد
    وقد ذكر العلماء عدة أنواع للجهاد، منها:
    جهاد المشركين:
    فهم يحاربون دين الله -تعالى-، ولذلك لابد من محاربتهم، حتى تصل تعاليم الإسلام إلى الناس كافة. قال تعالى: {قاتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5].
    جهاد المرتدين:
    لما مات رسول الله ( ارتد كثير من القبائل عن الإسلام، فقام أبو بكر -رضي الله عنه- بمحاربتهم، فأرسل الجيوش بقيادة خالد ابن الوليد -رضي الله عنه- لقتالهم، فهزمهم في معركة اليمامة، فمن ترك دين الإسلام وكفر به، وجب قتاله وقتله، قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 217]. وقال (: (من بدَّل دينه فاقتلوه) [البخاري].

    جهاد البغاة:
    ويقصد بهم الخارجون من المسلمين على الحاكم المسلم العادل، أو الباغون المعتدون على غيرهم من المسلمين، إذا كانت الجماعتان مسلمتين، وهنا يجب قتال الفئة الباغية؛ منعًا للفساد وعملاً بقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [الحجر: 9].
    جهاد أهل الكتاب:
    بعث رسول الله ( برسالة إلى هرقل عظيم الروم، كتب فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أسلم يُؤْتِكَ الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيَّيْن (عامة الشعب).. يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64].
    لم يستجب هرقل والروم معه لدعوة رسول الله (، فكان سقوط إمبراطورية الروم على يد المسلمين تمهيدًا لنشر دعوة الإسلام بعد أن وقفوا حائلاً دون وصولها إلى قومهم، فوجب قتالهم حتى يزول هذا الحائل، فإن زال فلا إكراه في الدين، فيدخل الإسلام من شاء ويظل على دينه من شاء. قال الله -عز وجل-: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29]. والمسلمون لا يبدءون بالقتال إلا بعد التبليغ والإنذار، فإن دخل أهل الكتاب الإسلام، أو قبلوا دفع الجزية، فلا قتال، وإن أَبَوْا حوربوا.
    جهاد المنافقين:
    والمنافقون قوم يظهرون الإسلام ويخفون في صدورهم الكفر، وهم موجودون في كل زمان ومكان، وكان منهم جماعة في زمن الرسول ( يعيشون معه في المدينة المنورة، وقد أنزل الله فيهم سورة كاملة هي سورة المنافقون، وقد أمر الله بجهادهم قائلاً: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التوبة: 73]. إلا أن جهاد المنافقين يختلف عن جهاد غيرهم، فجهادهم باللسان وبالإنكار عليهم ما يفعلون وبإقامة الحدود فيهم.
    دوافع الحرب عند المسلمين
    رد العدوان:
    يقول الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190]. وبعد أن انتصر المسلمون على المشركين في غزوة بدر، وصلت الأخبار إلى رسول الله ( بأن أهل قريش أعدوا العدة لقتال المسلمين، والانتقام منهم، فاستشار رسول الله ( أصحابه في الخروج لملاقاتهم وقتالهم فأشار عليه الصحابة بالخروج، فخرج الرسول ( لقتالهم.
    فأول دوافع الحرب عند المسلمين هو الاعتداء عليهم، فإذا تعرض المسلمون لأي اعتداء على النفس أو العرض أو المال أو العقيدة، فعليهم أن يقفوا أمام العدوان، قال تعالى: {فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} [البقرة: 191]. وقال رسول الله (: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) [الترمذي].

    الدفاع عن المسلمين المستضعفين:
    يروي لنا التاريخ أن امرأة مسلمة ذهبت إلى سوق يهود بني قينقاع، لتبيع بعض ذهبها، وجلست إلى صائغ، فأراد بعضهم أن تكشف النقاب عن وجهها؛ فرفضت.
    فأمسك الصائغ بطرف ثوبها في غفلة منها، ووضعه على ظهرها؛ فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت المرأة، فأنقذها رجل مسلم، وقتل الصائغ، فاجتمع عليه اليهود وقتلوه، فاستغاث أهله بالمسلمين، فطرد الرسول ( يهود بني قينقاع من المدينة.
    ومن هنا وجب على المسلمين أن ينهضوا جميعًا لمناصرة إخوانهم في العقيدة، في أي مكان، إذا تعرضوا لأذى، قال تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا} [النساء: 75].
    إزالة الاضطهاد عن الدين والدفاع عن حرية التدين:
    لما نقض يهود المدينة عهدهم مع رسول الله (، أثاروا القبائل والفتن ضد المسلمين، اضطر الرسول ( إلى طرد بعضهم من المدينة وقتل بعضهم، جزاء الغدر والخيانة، فإذا نقض أعداء الإسلام ما بيننا وبينهم من عهود ومواثيق، وظهرت منهم بوادر الخيانة وجب علينا قتالهم، قال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}
    [الأنفال: 58]. ولم يذكر لنا التاريخ حادثة واحدة نقض فيها المسلمون عهدًا واحدًا مع غيرهم وبدءوهم بالقتال.
    الاستعداد للمعركة في ظل مبادئ الإسلام
    أرسل رسول الله ( إلى العباس بن عبد المطلب في غزوة أحد؛ ليراقب تحركات قريش واستعداداتها العسكرية، فكان ينقل تحركاتهم أولاً بأول، ويرسل إلى الرسول ( بذلك، وظلت المدينة في حالة استعداد دائم لا يفارق رجالها السلاح حتى أثناء الصلاة، وتحركت الدوريات حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون للهجوم على المسلمين، وعقد رسول الله ( مجلسًا يستشير فيه الصحابة ويتبادلون فيه الآراء حول المعركة. ومن هنا فإنه يجب على المسلمين أن يكونوا على استعداد دائم للجهاد في سبيل الله، ومن صور الاستعداد للحرب:
    إعداد الجندي المسلم:
    الجندي المسلم هو العامل الحاسم في المعركة، ولذلك يجب الاهتمام باختياره وإعداده، ويكون ذلك وفق خطوات محددة، هي:
    - تقوية إيمانه ويقينه بالله عز وجل، فالإيمان بالله هو السلاح الأقوى والحاسم في المعارك، لذلك ركز القرآن على تثبيت ذلك المعنى في النفوس، قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51].
    والجندي المسلم يربى على معرفة نهاية المعركة، وهي: إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله، فإن كانت الأولى حمد الله، وإن كانت الأخرى فهو لا يهاب الموت؛ لأنه يعلم فضل الشهادة.
    - إعداده وتربيته على أن النصر لا يتوقف على كثرة العدد والعدة وحدهما، ففي غزوة بدر الكبرى كان المسلمون قلة، وكان الكفار كثرة، ولكن المسلمين بقوة الإيمان والثقة بنصر الله انتصروا قال تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249].
    - أن يربى الجندي على الطاعة، فعندما استشار رسول الله ( أصحابه يوم بدر، قام المقداد بن الأسود -رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، امض لما أراد الله، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد (اسم مكان في أقصى الجزيرة العربية) لجالدنا (لحاربنا) معك حتى تبلغه. وقام سعد بن معاذ وقال: امض لما أراك الله فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك.
    ولا شك أن طاعة القيادة المؤمنة من طاعة الله ورسوله؛ قال النبي (: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) [البخاري]. فعلى الجندي المسلم أن يطيع توجيهات قائده الذي يقوده نحو النصر. وهذه الطاعة للقائد المسلم لا تكون إلا في المعروف، أما إذا أمرهم القائد أو الأمير بمعصية فلا طاعة له عليهم لقول رسول الله (: (إنما الطاعة في المعروف) [متفق عليه].
    - أن يربى الجندي على الشجاعة، فقد كان رسول الله ( يحارب مع الجنود كأنه فرد منهم، فقد كان له تسعة سيوف يبارز بها، وسبع دروع يحتمي بها من الطعنات، وفي غزوة أحد، عندما هرب الناس وانفضوا عنه (، وقف النبي ( في شجاعة نادرة يقاتل المشركين. وفي غزوة حنين، عندما فر كثير من المسلمين وقف في ثبات وقوة يقاتل وينادي المسلمين قائلاً:
    أنا النبي لا كذبْ أنا ابْنُ عبدِ المطَّـلِب
    حتى اجتمعت صفوف المسلمين مرة أخرى فكان لهم النصر. [متفق عليه]. فالشجاعة والثبات والصبر في المعركة من أهم صفات الجندي المسلم، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45].
    - أن يتدرب الجندي على الحيطة والحذر؛ فقد كان رسول الله ( شديد الحيطة والحذر؛ عملاً بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا} [النساء: 71].
    فالجندي المسلم لابد أن يكون حذرًا يقظًا يتابع كل تحركات العدو، ولا ينخدع بالحيل والمكائد التي يتبعها الأعداء، وكذلك يكون أمينًا على الأسرار الحربية، والجندي المسلم لا يتأثر بالشائعات التي تؤدي إلى إضعاف الروح المعنوية، وتفريق الصفوف.
    - أن يتخلق الجندي بالتواضع، ويبتعد عن الغرور، فعندما فتح الله على المسلمين مكة ودخلها الرسول ( منتصرًا ومعه المسلمون، دخل ( وهو مطأطئ رأسه؛ واضعًا لله، وهكذا يعلمنا رسول الله ( التواضع عند النصر وإرجاع الفضل لله تعالى.
    ولذلك يجب على الجندي المسلم أن يكون متواضعًا لا يعرف الغرور والكبر، ويدرك أن النصر من عند الله، ويشكره على تلك النعمة العظيمة، والمسلم لا يتباهى بقوته، ولا يتمنى لقاء العدو، وإنما يسأل الله العافية، فإذا اضطر للحرب صبر عند اللقاء، لقول رسول الله (: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا) [متفق عليه].
    - إمداد الجندي المسلم بكل عناصر القوة اللازمة؛ فقد كان رسول الله ( يهتم بتسليح الجنود، ويشرف عليهم بنفسه، ويوم حنين لم يجد سلاحًا كافيًا، فاستعار سلاحًا من صفوان بن أمية على أن يعيده إليه بعد المعركة حرصًا على قوة الجيش الإسلامي، كما كان يتفقد الصفوف، فإذا وَجَدَ بينهم ضعيفًا أو صبيًّا لا يقوى على حمل السلاح استبعده من الصفوف.
    فالجندي المسلم لابد أن يتسلح بأحدث الأسلحة بقدر المستطاع عملاً بقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} [الأنفال: 60].
    تنظيمات الجيش الإسلامي:
    لقد عرف المسلمون من البداية تنظيم الجيوش، وكان للجيش الإسلامي مقدمة ومؤخرة، وميمنة وميسرة وقلب، وكان القائد يقف في قلب الجيش حتى يشرف عليه ويوجههم في كافة مراحل القتال.
    وفي عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنشأ ديوانًا خاصّا بالجند، ليسجل أسماءهم، ويصرف مرتباتهم، كما أعفاهم من العمل في المهن مثل الصناعة والتجارة وغيرها حتى يتفرغوا للفتوحات الإسلامية. كما أقام الحصون والمعسكرات الدائمة لراحة الجند، وأمر ببناء المدن الجديدة كالفسطاط بمصر، والكوفة والبصرة بالعراق لنفس الغرض، كما وُجد في عهده نظام المرابطة، وبخاصة في الأماكن الساحلية كالإسكندرية وغيرها؛ ذلك لصد هجمات الأعداء على سواحل المسلمين.
    وفي العصر الأموي، عرف المسلمون نظام الصوائف والشواتي، وهو عبارة عن حملات عسكرية ضد الدولة البيزنطية صيفًا وشتاءً لتأديبها ومنعها من التفكير في غزو السواحل الإسلامية في بلاد الشام.
    ويطل العصر العباسى بروعته، ويتم تقسيم الجيوش الإسلامية حسب جنسياتهم، فيكون الفرسان المسلمون الذي يرمون بالرماح من العرب، والمشاة من الفرس وبخاصة من خراسان، ومن بداية عصر الخليفة المعتصم (218 ـ 227هـ) انضم الجنود الأتراك للجيش الإسلامي، وازدادت أعدادهم زيادة كبيرة، ولم يهمل المسلمون البحرية العسكرية، وإنما اهتموا بها اهتمامًا كبيرًا، وخاضوا بها معارك عنيفة مثل معركة (ذات الصواري) في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وألحقوا بأسطول الرومان في البحر المتوسط هزيمة ساحقة.
    وبلغ اهتمام المسلمين بالبحرية الإسلامية أن أنشئوا في مصر دارًا لصناعة السفن في جزيرة الروضة، منذ سنة (54هـ)، وكان لها دور بارز في تاريخ البحرية الإسلامية.
    واهتم المسلمون اهتمامًا خاصًّا باختيار القادة الأكفاء، تبعًا لمواصفات خاصة لا تتوفر إلا في قلة من الناس، كالشجاعة، والذكاء، وقوة الشخصية، والدهاء، وحسن التخطيط، والولاء التام للدين الإسلامي من أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وعقبة بن نافع، وموسى بن نصير، وطارق بن زياد، وغيرهم ممن كان لهم فضل كبير في نشر دين الله في كل مكان.
    وقائع المعركة في ظل مبادئ الإسلام
    سرعة الاستجابة لداعى الجهاد:
    كان رسول الله (، يتفقد الشهداء في غزوة أحد، فوجد حنظلة بن أبي عامر يتقطر الماء من جسده، فبعث بعض الصحابة إلى زوجته فلما عادوا، أخبروه بأنه، كان حديث عهد بالزواج، فلما سمع نداء الجهاد، ترك فراش عروسه وأسرع إلى ميدان القتال، ليدافع عن دينه، فأخذ يشق الصفوف حتى وصل إلى قائد المشركين أبي سفيان بن حرب (قبل أن يسلم) وكاد أن يقتله، ورآه شداد بن الأسود فضربه فقتله.
    فلما علم النبي ( بذلك قال: (إن صاحبكم لتغسله الملائكة) [الحاكم والبيهقي]. وهكذا ينال حنظلة أعلى منزلة عند الله سبحانه لأنه أسرع يلبي نداء الجهاد استجابة لأمر الله تعالى: {انفروا خفافًا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [التوبة: 41]، فعلى المسلم أن يلبي نداء الجهاد، وإلا دخل تحت قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير} [التوبة 38 39].
    وقد استجابت النساء أيضًا لنداء الجهاد، وكان لهن دور عظيم، فكنَّ يداوين الجرحى، ويجهزن الطعام، والشراب للمجاهدين، بل نجد أكثر من ذلك، فقد كانت نسيبة بنت كعب -رضي الله عنها- ترمي المشركين بالسهام، وتقف وتقاتل مثل الرجال، كل ذلك في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر دعوته، فما أروع الجهاد، وما أعظم الجزاء عند الله.
    الثبات في المعركة:
    تفرق المسلمون في غزوة أحد، فقتل منهم من قتل، وفر منهم من فرَّ، وتكاثر الكفار على رسول الله ( يريدون قتله، ولكنه ( ظل صامدًا كالجبل هو وبعض أصحابه، ووقف يقاتل بعزيمة لا تلين، وقلب لا يهتز، حتى انصرف المشركون من حوله.
    ويضرب الرسول ( المثل في الثبات يوم حنين عندما فَرَّ المسلمون من حوله ( لكنه لم يترك مكانه، وثبت معه عدد قليل من المسلمين، وكان ( ينادى في المسلمين:أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
    فتجمع المسلمون حوله مرة ثانية، وثبتوا حتى جاءهم نصر الله. [متفق عليه].
    ولا يجوز للمسلم الفرار من المعركة، إلا للانتقال إلى مكان آخر هو أصلح، أو لينضم إلى إخوان له من المجاهدين في مكان آخر، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 15-16].
    آداب الحرب في الإسلام
    الإسلام دين المبادئ والقيم والأخلاق الفاضلة، ودين العدل والرحمة والسماحة، حتى مع أعدائه، فقد لقى الرسول ( هو وأتباعه من كفار مكة أشد ألوان العذاب، وعندما أنعم الله على المسلمين بفتح مكة، ووقع هؤلاء في أيدي الرسول (، ظنوا أنه سينتقم منهم، ويفتك بهم، لكنه عفا عنهم، وقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) [ابن هشام].
    وكان رسول الله ( يوصي قواده قائلاً: (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا) [مسلم وأبوداود والترمذي].
    فالإسلام لا يعرف الانتقام، والتمثيل بأجساد الموتى، وتمزيق أجسادهم، مثلما فعل كفار مكة بجثة سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب -رضي الله عنه- وغيره من الشهداء في غزوة أحد، فهو دين السماحة والعدل، كذلك حرَّم الإسلام الغدر، وتقطيع الأشجار وإحراقها، وقتل الحيوان، وتخريب البيوت والمزارع، إلا عند الضرورة القصوى، وفي أضيق الحدود وبالشكل الذي يرغم الأعداء على الاستسلام كما حدث في بعض حروب النبي ( مع اليهود.
    والتاريخ خير شاهد على تسامح المسلمين مع أعدائهم وعدم الغدر بهم، فعندما ذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى القدس ليتسلم مفاتيح بيت المقدس من نصارى الروم، وجاء عليه وقت صلاة، خرج ليصلي خارج الكنيسة، ورفض أن يصلي داخلها حتى لا يتخذ المسلمون فعله حجة في اتخاذ كنائس النصارى مساجد.
    وحتى في العصور الإسلامية المتأخرة كان هذا التسامح سبب إعجاب الجميع، فهذا محمد الفاتح -رحمه الله- بعد فتح القسطنطينية، يترك للنصارى كنائسهم يتعبدون فيها، ويعامل قساوستهم بإكرام واحترام، مما جعل بعض هؤلاء القساوسة يقول: لقد لاقينا من الحفاوة والتكريم، ما لم نلقه من إخواننا من أهل ديننا النصارى.
    نتائج المعركة في ظل تعاليم الإسلام
    عادة ما ينتج عن الحروب ما يلي:
    توقيع عقد أمان:
    وقد يكون هذا الأمان على شكل من الأشكال الآتية:
    - الأمان المؤقت الخاص: وهو أن يمنح جنديٌ مسلمٌ جنديًّا من جنود الأعداء أمانًا إذا استسلم، أو طلب ذلك، وكذلك إذا استسلمت جماعة من الأعداء لجماعة من جند المسلمين، فإذا رأى المسلمون أن المصلحة تقتضي الاستجابة لهؤلاء؛ كأن لتعريفهم الإسلام إذا رأوا منهم ميلاً إليه أو يحصلوا على أسلحتهم، أو على أسرار عسكرية، جاز منحهم الأمان، والواحد منهم يسمى مستأمنًا، وله أن يقيم مع المسلمين إقامة غير دائمة، حتى يصل إلى المكان الذي يأمن به، وهذا الأمان يمضيه الحاكم المسلم قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [التوبة: 6].
    - الأمان المؤقت العام (الهدنة)، وهو الاتفاق على وقف القتال مدة من الزمن، قد تنتهي إلى صلح، ويجب منح الأمان في حالتين: إذا طلبه العدو، فإنه يجاب إلى طلبه، مع وجوب الحذر والاستعداد، قال تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم. وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} [الأنفال: 61-62].
    والحالة الثانية في الأشهر الحرم، فإنه لا يحل فيها البدء بالقتال وهي ذو القعدة،
    وذو الحجة، ومحرم، ورجب، إلا إذا بدأ العدو بالقتال، فإنه يجب القتال حينئذ، وكذلكٍ إذا كانت الحرب قائمة، ودخلت الأشهر الحرم، ولم يستجب العدو لوقف القتال وقبول الهدنة.
    الأسرى:
    وقع ثُمامة بن أُثَال أسيرًا في أيدي المسلمين، فجاءوا به إلى النبي (، فقال: (أحسِنوا إساره). وقال: (اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه). فكانوا يقدمون إليه لبن ناقة الرسول ( غُدوًّا ورواحًا، فلما رأى ثمامة حسن المعاملة؛ أعلن إسلامه. فالدين الإسلامي يحرص على حسن معاملة الأسرى، لعل الله يهديهم إلى الإيمان، أو يتم استبدالهم بأسرى مسلمين.
    والقرآن الكريم يوضح حكم الأسرى، قال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا بضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا والوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4].
    والآية الكريمة ترشدنا إلى ضرورة قتال المشركين حتى نقضي على قوتهم، ثم بعد ذلك نأخذ منهم الأسرى، ولهؤلاء الأسرى أحكام وضحتها الآية الكريمة، وهي:
    - المن وهو إطلاق سراحهم دون مقابل لعلهم يهتدون ويدخلون في دين الله.
    - القتل وهو جائز في حق بعض الأفراد من كبار أعداء الأمة، ولا يكون حكمًا عامًّا مطلقًا، وقد ورد أن رسول الله ( قتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط يوم بدر، وقتل أبا عزَّة الجمحي يوم أحد، قال تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الحياة الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} [الأنفال: 67].
    - الفداء: وهو إطلاق سراحهم في مقابل ما يدفعونه من مالٍ أو عمل يؤدونه للمسلمين، أو مقابل إطلاق أسرى المسلمين عند العدو، ففي غزوة بدر فدى رسول الله ( بعض المشركين بالمال، وبمبادلتهم بأسرى المسلمين عندهم.
    فقد صحَّ أن رسول الله ( فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين، كما فدى بعض المشركين في مقابل أن يعلِّم الواحد منهم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.
    - الاسترقاق، وهو أن يصبحوا رقيقًا للمسلمين، وهذا في الحرب فقط، ومع ذلك أمر بحسن معاملتهم إذا استُرقوا.
    وقد يقع بعض المسلمين أسرى في يد أعدائهم، وهنا يجب على الحاكم المسلم والقادة متابعة أحوالهم وفداؤهم بكل الطرق، مثل عقد الاتفاقيات وتبادل الأسرى وما سوى ذلك.
    السبايا:
    وهم الأسرى من النساء والصبيان والشيوخ وغيرهم ممن لا علاقة لهم بالحرب، والحاكم مخير في أمرهم يفعل بهم ما يشاء وحكمهم حكم الأسرى، بما فيه الاسترقاق، ويصير النساء منهم ملك يمين لمن يكنَّ من نصيبه، ولا يجوز قتل هؤلاء السبايا.
    ولا شك أن هذه الأحكام كانت نقلة حضارية كبيرة جاءت مع الإسلام، حيث لم تكن توجد يوم جاء الإسلام التزامات محددة يلتزم بها العالم تجاه الأسرى الذين كانوا يتعرضون لأسوأ المعاملة، ويجوز قتلهم قتلا مطلقًا، فجاء الإسلام بتشريع واضح ملزم يُجيز لهم إطلاق أسراهم، بل فتح الإسلام أبواب الحرية أو المكاتبة أو العتق.
    وهكذا، نجد عظمة الإسلام نابعة من مبادئه السامية، في مجال الحياة العسكرية، وسيظل يحث أتباعه على الجهاد من أجل نشر تعاليمه وإعلاء كلمة الله، مع الحفاظ على مبادئه التي شرعها حالة الجهاد.




  17. #17
    هيئة تعليمية الصورة الرمزية عائشة راشد
    تاريخ التسجيل
    26 / 5 / 2007
    المشاركات
    6,271
    Post Thanks / Like
    like
    0
    liked 3 Times in 3 Posts
    معدل تقييم المستوى
    14
    النظام التشريعي في الحضارة الإسلامية






    لقد جاء الإسلام بتشريعات وقوانين حفظت للناس حقوقهم، وضمنت لهم الفلاح في الدنيا والآخرة. والمصادر الأساسية للتشريع الإسلامي هي:
    القرآن الكريم
    القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49].
    وشرع الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولذلك لا يجوز لأحد أن يتركه ويحكم بما سواه، وكل من جاء بتشريع يخالف شرع الله فيحل ما حرَّم الله، أو يحرم ما أحل الله، فهو خارج عن الملة.
    ولقد اعتبر الله عز وجل المشرعين آلهةً يُعبدون من دونه، ولقد شرح النبي ( هذا الأمر لعدي بن حاتم عندما دخل عليه (، وهو يقرأ قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31].
    وكان عدي قد دخل النصرانية في الجاهلية وأُسرت أخته وجماعة من قومه، ثم أطلق رسول الله ( سراح أخته، فرجعت إلى أخيها، فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله (، فقال عدي لما سمع النبي يتلو هذه الآية: إنهم لم يعبدوهم. فقال رسول الله (: (بلى، إنهم حرَّموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فتلك عبادتهم إياهم) [أحمد والترمذي].
    والقرآن الكريم لم يترك شيئًا إلا ذكر حكمه إما نصًّا وإما ضمن القواعد العامة التي جاءت فيه لما يجد من أمور في كل عصر من العصور، قال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) [الأنعام: 38].
    والقرآن الكريم به نوعان من الأحكام:
    - أحكام ثابتة وردت فيها نصوص قرآنية، وهذه لا دخل للعقل فيها إلا الاستنباط من النصوص وتوجيهها.
    - قواعد عامة غير ثابتة، للقادرين على الاستنباط حق الاجتهاد فيها، ووضع النظريات والقواعد، بشرط ألا يتعارض ذلك مع القواعد العامة للإسلام.
    ومن هذه القواعد العامة غير الثابتة، ما جاء به الإسلام في مجال السياسة والاقتصاد وغير ذلك.
    السنة النبوية الصحيحة:
    وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] . وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} [النساء: 65]. ولذلك يجب علينا أن نحتكم إلى سنة الرسول
    ( في الأمور التي لا نجد لها حكمًا ظاهرًا في القرآن الكريم، وأن نرضى بها دون شك، ولا تحرج؛ لأن السنة إما أن تبين أحكامًا موجودة في القرآن، أو تفصل أحكامًا عامة مجملة فيه، أو تأتي بأحكام جديدة، فمثلاً ذكر القرآن الصلوات وأمرنا بها، ولكنه لم يذكر عدد ركعاتها، ولا هيئاتها ولا طريقة أدائها، فجاءت السنة ووضحت ذلك بالتفصيل، وغير ذلك كثير في أمور العبادات والمعاملات.
    الإجماع
    لا خلاف بين العلماء على أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع الإسلامي بعد كتاب الله وسنة رسوله (، والإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة رسول الله ( في عصر من العصور بعد وفاته ( على حكم شرعي اجتهدوا فيه ليس فيه نص من الكتاب أو السنة، ولا إجماع عند الفقهاء إلا بسند من كتاب الله وسنة رسول الله .
    والمجتهدون هم العلماء العارفون بأدلة الفقه من القرآن والسنة وآراء العلماء، وكيفية استخراج واستنباط الأحكام، ولقد استشهد العلماء على أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع بعدة أدلة من القرآن والسنة؛ أما أدلة القرآن فمنها قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرً